أضواء على التجمع الشعبي لالاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بتلمسان:22ديسمبر1946 د.أوعامري مصطفى

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2015 - 4:32 مساءً
أضواء على التجمع الشعبي لالاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بتلمسان:22ديسمبر1946 د.أوعامري مصطفى

د.أوعامري مصطفى
قسم التاريخ / جامعة تلمسان

نظم قادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري جولة لمنطقة الغرب الجزائري بهدف القيام بحملة دعائية واسعة للحزب أواخر عام 1946 وبداية 1947، وكانت محطتها الأولى مدينة تلمسان . أحاول في هذه الدراسة المعتمدة أساسا على وثائق أرشيفية والمتمثلة خاصة في تقرير لشرطة الاستعلامات الاستعمارية، تسليط بعض الأضواء على التجمع الشعبي الكبير المنظم بتلمسان في 22 ديسمبر للاستقبال فرحات عباس ومرافقيه من الشخصيات البارزة في الحزب، وذلك بالتعرض إلى أهمية التجمع، وعرض وتحليل مداخلات قادة الحزب، مع التركيز على مداخلة بومنجل وفرحات عباس، وإبراز أهم النقاط التي تم تناولها والخطوط العريضة لبرنامج الحزب وكيفية تقديمها للجمهور .
أهمية التجمع
إن اختيار فرحات عباس ومرافقيه تلمسان كمحطة أولى تنطلق منها الحملة الدعائية لم يأت بمحض الصدفة، وإنما يعود إلى تلك الزيارات المتكررة لفرحات عباس لهذه المدينة خلال الحرب العالمية الثانية،- والتجاوب الكبير الذي أبدته الأوساط التلمسانية آنذاك مع حركة أحباب البيان والحرية ذات التوجه الوطني، وإلى الأهمية التاريخية والحضارية والثقافية لعاصمة الزيانيين التي ظلت دوما مع نواحيها معقلا للمقاومة ورمزا للنضال .
وتكمن أهمية التجمع في الظروف التي انعقد فيها؛ والمتميزة بشدة التنافس على قيادة الحركة الوطنية الجزائرية،بين حزب البيان والحركة الاستقلالية، والذي بدا جليا منذ إطلاق سراح مصالي الحاج وعودته إلى الجزائر في 13 أكتوبر 1946 وتأسيسه لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية . إذ أصبح كل طرف يعمل على الدعاية لحزبه في الأوساط الجماهيرية، ويعمل على توطين خلاياه وفروعه عبر القطر الجزائري، ويلاحظ ذلك بشكل واضح في تصريح فرحات عباس في إحدى تدخلاته بالغرب الجزائري :” جئت لعمالة وهران لتشكيل الخلايا في المدن والقرى، فحزب الاتحاد الديمقراطي هو حزب المستقبل، وهو الحزب الوحيد الواعي بحقوقكم والراغب في المساواة في إطار القانون الإسلامي ” (الأحوال الشخصية).
كما تكمن أهمية التجمع أيضا في عدد الحضور الكبير، والذي قدر بحوالي 2000 جزائري مسلم تمت تعبئتهم من مناطق مختلفة من الجهة، ليشهدوا هذه التظاهرة الشعبية المنظمة في 22 ديسمبر 1946 تحت رعاية الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وذلك بالرغم من سوء الأحوال الجوية، والتي بسببها تم تغيير مكان التجمع من ساحة البلدية في الهواء الطلق، إلى قاعة الحفلات التابعة للبلدية، ولا شك في أن الظروف المناخية غير الملائمة قد أثرت بشكل أو بآخر في عدد الحضور، وخاصة الأوربيين والذين لم يتجاوز عددهم العشرين.
يعد التجمع أيضا أول تظاهرة كبرى تنظم بعد مجازر ماي 1945 الرهيبة، وتميز بالتنظيم المحكم، إذ يذكر تقرير شرطة الاستعلامات الاستعمارية بأن السيد الحصار – مستشار بلدي – هو الذي أشرف على عملية التنظيم، وتم وضع مكبر للصوت لإسماع المداخلات لأولئك الباقين في الخارج، وبداخل القاعة فقد أسندت العملية لعناصر كانت تحمل شارات خضراء على سواعدها. كما تميز بالاستقبال الحار الذي حظي به فرحات عباس ومرافقيه؛ حيث استقبلوا بحفاوة كبيرة أثناء وصولهم . ومن الشخصيات التي كانت مرافقة لصاحب البيان نذكر : السادة بومنجل، علال، فرانسيس، جاب الله أحمد، بويدجي بشير، الحصار، مهداد،حمدي، مزيان، بوصالح وآخرون، وكذلك مدعوين من أحزاب أوربية، ونواب للحزب من مقاطعة تلمسان. وفي هذه الظروف انطلقت أشغال التجمع بتقديم سلسلة من المداخلات من طرف القادة البارزين في الحزب.
المداخلات
لقد ترأس التجمع د.علال، وبالتالي فإنه كان أول المتدخلين، فبعد التوجه بالشكر للحضور الذين جاؤوا للترحيب بفرحات عباس الذي نعته” بأكبر مدافع على المطالب العادلة للشعب الجزائري المسلم ” والترحيب به وبمساعديه، وشكرهم على الأهمية التي يولونها لساكنة تلمسان، حاول التعرض باختصار إلى ” نشاط وتدخلات فرحات عباس والمجموعة البرلمانية الإسلامية في الجمعية الوطنية التأسيسية”، وأثنى على زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وأصدقائه، منوها بالمجهودات التي بذلوها بباريس، معتبرا أنه بفضل سياسة ثابتة وإيمان لايتزعزع في مستقبل أفضل، قد تمكنوا من طرح وترسيخ فكرة حل شجاع، في جمعية وطنية مضطربة لقضية عادلة، هي قضية الجزائر وقضية الشعب الجزائري المسلم. بعد هذه الكلمة المختصرة والتي انصبت كلها في الدعاية للحزب، قدم د. علال المتدخلين الذين سيتداولون على المنصة وكان أولهم الحصار.
بعد الترحيب بالضيوف، تعرض الحصار عبد الحميد – مستشار بلدي- والملقب بحميد بلهجة قوية” لأحداث القطاع القسنطيني، مذكرا بالضحايا الأبرياء للقمع الاستعماري، وأشار إلى المواطنين الستة الذين أعدموا مؤخرا آنذاك، وإلى الثلاثة الذين ما زالوا ينتظرون الإعدام رغم قانون العفو الصادر في مارس 1946 . كما انتهز الفرصة للمطالبة بعدم إهراق الدم الجزائري من طرف الاستعمار مستقبلا… .وفي إطار الدعاية للحزب ومحاولة إبراز شعبيته خاطب فرحات عباس قائلا: “أطلب منك، عزيزي عباس، باسم السكان المسلمين بتلمسان، أن تقف على قبور ضحايا أكبر قمع دموي استعماري منذ الغزو وتترحم على أرواحهم، وقل لهم أن تضحياتهم لن تذهب سدى، وأن الشعب الجزائري الفخور بأمثالهم، سيسير على خطى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري… .
أما السيد بو منجل، أحد القادة البارزين في الحزب والمعروف بفصاحته فقد استغرقت مداخلته مدة أطول، استغلها في التعريف بسياسة البيان الجزائري، والمجهودات المبذولة من قبل فرحات عباس، والصعوبات التي واجهها، والنتائج التي تم تحقيقها ولم تتجسد بعد،ولم يفوت الفرصة في توظيف العدد الضخم من الحضور سياسيا، إذ اعتبره تعلقا بفرحات عباس وبسياسة البيان التي غمرت الحياة السياسية بالجزائر خلال فترة الحرب العالمية الثانية .
وتعرض هو الآخر مثل الحصار، إلى المحكوم عليهم بالإعدام بعد مجازر ماي 1945، مثيرا مشاعر الجمهور الحاضر الذي طالب بالانتقام . غير أن بومنجل لم يساير الحضور في ذلك، بل أكد على الخط السياسي المعتدل لحزبه: ” حزبنا ليس حزب انتقام ، لانعرف الكراهية، حزبنا هو حزب العقل والحلول. وفي تلميح لحزب الشعب الجزائري، أكد بأن الجزائر العقلانية المسلمة يجب ألا تعرف المنافسات وعليها أن تبقى متحدة، يقظة…، مذكرا جمع الحاضرين بأفضال حزبه على مصالي الحاج: “بفضل العمل المستمر لفرحات عباس وأصدقائه، يستطيع مصالي الحاج التحرك بحرية في الجزائر.”
وفي نفس السياق ناقش مقاربة حزبه لمفهوم التحرر، مبينا بأنه ضد العنف وضد التحرر عن طريق الأسلحة، فالحصول على المطالب يأتي عن طريق الحوار السياسي واعتماد أسلوب الإقناع مع ضرورة الاتحاد: “نحن ضد الأسلحة، ضد الرشاشات والدبابات، لدينا إيماننا بالله، وقوة الإرادة في الحصول بالعقل والحكمة على المطالب التي ننادي بها منذ أكثر من قرن، لكن يجب علينا أن نتحد، فالاتحاد سيكون سلاحنا الفتاك…”. وفي إطار المنافسة الحزبية يبدو أنه وجه انتقادا لاذعا بصفة غير مباشرة لحزب الشعب الجزائري : “حزبنا ليس حزب أشخاص… هو حزب أفكار… يجب أن لا تثقوا في المناورات الإجرامية التي تدعي بأنها الوحيدة الممثلة والمدافعة عن قضية المسلمين”.
كما عرج السيد بومنجل على نشاط نواب الاتحاد الديمقراطي في الجمعية التأسيسية والإنجازات التي حققوها، والمتمثلة في الموافقة على القبول بإدراج نص في ديباجة الدستور الفرنسي ينص على أن الشعوب المستعمرة تستطيع حكم نفسها بنفسها وتسيير شؤونها الخاصة بديموقراطية، وأضاف: “بلغنا نضجنا السياسي، فقد تم الاستفتاء على الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الانتخابات العامة، فمن حقنا أن نحكم أنفسنا، وهذا ما يقودنا إلى الاهتمام بالمطالب والطموحات المشروعة للمسلمين الجزائريين، وبالإصلاحات التي وعدتنا بها فرنسا منذ خمسين سنة.”
أما في الميدان الاقتصادي فركز خاصة على الأرض، منتقدا بطريقة ساخرة الملكيات الزراعية الواسعة للكولون،و طالب بضرورة توزيع الأراضي على الذين يفلحونها أيضا، ويقصد بهم طبعا الجزائريين المسلمين الذين حولتهم السياسة الاستعمارية من ملاك للأراضي إلى أجراء وخماسين مستعبدين. كما أنه” ندد بسياسة الإدماج في الجزائر،” وعدها طريقة بالية للاستعمار؛”فإضافة عمالات جديدة بالجزائر، لا يؤدي إلا إلى تدعيم إدارة رجعية في خدمة الكولون دائما لاستغلال فئة المسلمين أكثر فأكثر.” مشيرا إلى رفض الجيل الجديد من المسلمين الجزائريين الانحناء لاستبداد الكولون. الذين فرضوا سيطرتهم المطلقة على الجزائريين مع بداية عهد الجمهورية الثالثة، واستبدال النظام العسكري بالنظام المدني في الجزائر .
وبخصوص التمويل الذي يعد وسيلة أساسية في النضال وفي التحرك السياسي، أشار إلى أن الحزب في حاجة ماسة إلى مال كثير، منتهزا المناسبة في هذا الصدد للترويج لجريدة “المساواة” Egalité، وذلك بالتوجه بنداء عاجل لصالح هذه الجريدة؛ لسان حال الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري للدفاع عن قضية المسلمين، مطالبا من الجميع شراءها وقراءتها، إذ أن مداخيلها ستساهم في تمويل وسائل عمل الحزب. ولإضفاء شعبية على هذه الجريدة وعلى حزبه استطرد قائلا: ” نستطيع طلب ملايين كبار الممولين، غير أننا نفضل النقود المعدودة للشعب، لأن حزبنا هو حزب الشعب”…
كما أشار إلى رغبة الحزب في إنشاء” جريدة باللغة العربية بحيث تفرض اللغة العربية بالجزائر، هذه اللغة التي ترفض الحكومة الفرنسية الاعتراف بها كلغة رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية”، وفي الأخير أنهى مداخلته بالتذكير بالخطوط العريضة لبرنامج الحزب، وحصرها في المطالبة ببرلمان جزائري، حكومة جزائرية متحدة في إطار فيدرالي مع فرنسا بصفة إرادية.
بعد ذلك تلاه في المنصة مهداد، مستشار الجمهورية، وكانت كلمته مقتضية وباللغة العربية الفصحى، وقد لخص فيها سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ونوه بمجهودات فرحات عباس . ويبدو أنه وعلى غرار قادة الحزب المحليين الذين سبقوه في المنصة قد تعمد الاختصار، حتى يفسح المجال لرئيس الحزب في التدخل.
جاءت مداخلة فرحات عباس في الأخير، وسط تصفيقات حارة اعتبرها تصفيقات على الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وعرف في البداية ببرنامج حزبه مثلما قدم في الجمعية الوطنية، ولمح إلى الصعوبات التي واجهتهم بهذه الجمعية: “اعتقد الكثير، بأننا سنحصل في ظرف أربعة أشهر على ما ضللنا نطالب به منذ 116 سنة… فالنتائج المحققة ليست بعد ايجابية وملموسة. يجب بذل مجهودات كبرى ومستمرة لتحقيق الهدف الذي حددناه”. وقارن بين إنجازاتهم وإنجازات بن جلول: “صديقي الدكتور بن جلول سيقول لكم بأنه جاء من باريس بوعود بأن العمالات الجزائرية ستدمج في العمالات الفرنسية… وفي الواقع أنه عاد خاوي الوفاض، ذلك أنه لو
كانت العمالات الجزائرية عمالات فرنسية، لا ننتخب على 15 نائب فقط، وإنما ننتخب على 112 نائبا في الجمعية الجديدة”.
كما أنه نوه بشكل خاص بهيئة نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الجمعية التأسيسية، وأهليتهم لتمثيل الجزائريين أحسن تمثيل:” كنا واعين بمسؤوليتنا،فنحن منتخبون من الشعب، يجب أن ندافع عن مصالح الشعب فقط بشجاعة وبكل ما أوتينا من قوة إيمان، أستطيع أن أؤكد لكم بأن نواب الاتحاد الديمقراطي لم يرتادوا أبدا لحانات ولا الملاهي الليلية بباريس، ولم يظهروا أبدا في حالة سكر بالجمعية التأسيسية، ولم نقم بأية مساومات أو نخضع لأي ضغط، لم نقدم وعودا لأي حزب أو نطلب منه ذلك… كان هندامنا دائما حسنا وجيدا، باختصار كنا جديرين أخلاقيا وماديا بتمثيل شعب مسلم يرغب في ضمان انبعاثه، وحقه في الحياة، وأمنه وعظمته…. وضمنيا يريد أن يقول ما زلنا كذلك فصوتوا علينا.
ثم عرج بعد ذلك على قضية الاتحاد، وتوجه بنداء لإنجازه بين المسلمين، والظاهر أنه قصد بالاتحاد التحالف الانتخابي وليس التحالف الإيديولوجي؛ وذلك بتعرضه للانتخابات قائلا: “زرت مصالي الحاج لتحقيق اتحاد كان من شأنه أن يضمن لنا الفوز بكل مقاعد الغرفة الثانية. ففي الانتخابات الأخيرة لشهر جوان، افتككنا 11 مقعدا من بين 15 مقعد، الأربعة الأخرى ذهبت إلى الإدارة، بسبب عدم الاتفاق مع حزب الشعب الجزائري.”
“وقد برهنت لزعيم حزب الشعب الجزائري على ضرورة الاتحاد، للحصول على كل المقاعد في الانتخابات الموالية… وبعد أن رفض مصالي اقتراحي الأول، قدمت له اقتراحا ثانيا يتضمن منح مقعدين في الغرفة الثانية للشيوعيين، ومقعدين للاشتراكيين، خمسة مقاعد لحزب الشعب الجزائري، ستة مقاعد للإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، أو العكس خمسة مقاعد للإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وستة مقاعد لحزب الشعب الجزائري، ومصالي رفض أيضا، وأراد أن يخوض المعركة الانتخابية بمفرده. “ولم ينس التأكيد على حرصه على الاتحاد: لأظهر رغبتي في الحفاظ على وحدة صف المسلمين، انسحبت مع العلم أنني كنت متأكدا أنني لو ترشحت مع أصدقائي في عمالة قسنطينة لفزت بأغلبية ساحقة”، وفي عتاب لمصالي – الذي دخل المعركة السياسية باسم حركة الانتصار..- أكد بأنه بفضل العمل الدؤوب لنواب الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري تحرر مصالي.
ولإبراز شعبية الحزب أشار إلى انتخابات مجلس الجمهورية وإلى النتائج المحققة خلالها: “فرغم العراقيل، أقنعنا المنتخبين الذين وعوا سياستنا بانتخاب مهداد بوهران، وبالرغم من ضغوط الإدارة المستمرة،… فزنا بأربعة مقاعد من بين سبعة في مجلس الجمهورية…”
وعند تعرضه لسياسة الحزب ومرجعيته السياسية والفكرية، لمح إلى أنها مستلهمة في أحد جوانبها من الثورة الفرنسية، التي تعد من الإنجازات الهامة للشعب الفرنسي الذي كان عنصرا فعالا في تحرير أوربا، وزرع بذرة التحرر عبر العالم … وأوضح بأن هذا الشعب لا يستطيع اليوم رفض تقديم مساعدته للشعب الجزائري الراغب في تطبيق شعارات الجمهورية الفرنسية: “الحرية، المساواة، والأخوة”، ولخص برنامج الحزب في “البرلمان الجزائري”،”الحكومة الجزائرية”.
كما أنه لم يفوت الفرصة في التطرق إلى نقطة حساسة وهي قضية الأوربيين بالجزائر، وهي القضية التي فرضت نفسها بقوة على الواقع السياسي بالجزائر. وإيجاد حل لهذه المعادلة الصعبة،كانت من انشغالات قادة الحركة الوطنية وقادة الثورة الجزائرية أيضا. وقد حاول في هذا المجال طمأنتهم باعتبارهم يشكلون أقلية(1 مليون)، أمام أغلبية مسلمة(8 ملايين)، مقترحا قانونا انتخابيا لا يضر بالمصالح الفرنسية، وبالتالي بمصالحهم؛ ذلك أن فرنسا هي التي ستتكلف بالدفاع الوطني، والمبررات التي قدمها بهذا الخصوص هي ضعف ميزانية الجزائر، ومواردها المالية يجب أن تصرف كلها في بناء المدارس، المستشفيات، وفي بناء المنازل التي ستحل محل الأكواخ الحقيرة…”، ستتكلف فرنسا أيضا بالسفارات والتي تشكل عبئا ثقيلا على الميزانية.” ومتأسفا على عدم حضور الفرنسيين بكثرة للتجمع، أضاف بأنه ليس هناك ما يخشاه الفرنسيون… فتعاون نزيه بالجزائر بين المسلمين والأوربيين، يمكن أن يعطي نتائج جيدة.
أما فيما يتعلق بأسلوب ومنهج عمل الحزب، فقد أوضح بأنه ضد سياسة الانتقام والعنف، ومع سياسة التسامح والعفو، وحاول أن يدعم هذا التوجه بالارتكاز على الدين الإسلامي مبينا أنه مستلهم من تعاليمه ومبادئه السمحة، مستشهدا في ذلك بآيات من القرآن الكريم….
وبخصوص علاقته مع فرنسا فقد لخصها فرحات عباس كما يلي:” نعمل مع فرنسا ولفرنسا أو بدون فرنسا ضد فرنسا”. وفي هذا تحذير واضح إلى المتروبول بضرورة أخذ مطالب حزبه بعين الاعتبار، وإشارة إلى العواقب التي يمكن أن تنجر عن تجاهل تلك المطالب . ثم توجه مرة أخرى بنداء من أجل اتحاد الشبيبة المسلمة التي ستحمل مشعل الحرية بالجزائر، وأشار بأنه وأصدقائه لا يتبعون سياسة أشخاص، ولكن سياسة حزب من أجل قضية عادلة… .
لقيت مداخلات الخطباء الذين تداولوا على المنصة تجاوبا كبيرا من الحضور الذين أيدوها بالتصفيقات الحارة،- عدا عناصر من حزب الشعب الجزائري- واضعين الثقة في فرحات عباس، وفي سياسة حزبه، في الدفاع عن المطالب الوطنية.
إن فرحات عباس والعناصر القيادية في “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” ألقوا بكل ثقلهم للدعاية لحزبهم والتعريف بسياسته في مدينة تلمسان ؛ وتمحورت مواضيع خطابات المتدخلين حول نشاط نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الدفاع عن مصالح المسلمين في الجمعية التأسيسية بباريس، وأهليتهم الجديرة بتمثيل الشعب الجزائري، وكذا بالخطوط العريضة لبرنامج الحزب وخاصة السياسية منها، وتم حصرها في المطالبة ببرلمان جزائري، حكومة جزائرية متحدة إراديا مع فرنسا في إطار فيدرالي، والتنديد بسياسة الإدماج، مع التركيز على الاتجاه المعتدل للحزب واعتماد أسلوب الحوار السياسي وأسلوب الإقناع في تحقيق المطالب، والترويج لجريدة المساواة.كما أولى فرحات عباس عناية خاصة للأقلية الأوربية بغرض طمأنتها وجلبها لمساندة برنامجه، ملمحا الى أن المرجعية السياسية والفكرية لحزبه مستلهمة في أحد جوانبها من الثورة الفرنسية. وفيما يتعلق بقضية الاتحاد التي كانت مطلبا جماهيريا فقد تم التعرض إلى المحادثات مع مصالي الحاج بهذا الخصوص، وتحميله مسؤولية فشل المحادثات،معتبرين مسألة الاتحاد ضرورة لا محيد عنها ناظرين إليها بمنظار التحالف الانتخابي وليس الاتحاد الإيديولوجي .

رابط مختصر