أول بيان وجهته فرنسا للشعب الجزائري بعد الإنزال العسكري في الجزائر عام 1830

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 25 أغسطس 2015 - 4:08 مساءً
أول بيان وجهته فرنسا للشعب الجزائري بعد الإنزال العسكري في الجزائر عام 1830

للإطلاع على الوثيقة بدقة عالية إضغط : هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

أول بيان وجهته فرنسا للشعب الجزائري بعد الإنزال العسكري في الجزائر عام 1830

هذه مناداة من سار عسكر أمير الجيوش الفرنساوية إلى سكان الجزائر وأهالي القبائل

(بسم الله المبدي المعيد وبه ستعين)

يا أيها ساداتي القضاة و الأشراف و العلماء وأكابر المشايخ والاختيارية، إقبلوا مني أكمل السلام وأشمل على اشراف قلبي بمزيد من العز و الإكرام، أما بعد اعلموا هداكم الله إلى الرشد و الصواب سعادة سلطان فرانسه مخدومي وعزة جنابه الأعلى عز نصره، قد أنعم علي بتوليته أياي منصب سار عسكر ويا أعز أصدقائنا ومحبينا سكان الجزائر ومن ينتمي إليكم من شعب المغاربة أن الباشا حاكمكم من حيث أنه تجرأ على بهدلة بيرق فرانسه المستحق كل اعتبار، وإقدام على إهانته فقد سبب بجهله هذا كل ما هو عتيد أن يحل بكم من الكوارث و المضرات لكونه دعى عليكم الحرب من قبلنا، فإن عزة اقتدار سلطان فرانسه دام ملكه نزع الله من قلبه ورأفته المعروفة المشهورة، فلا بد أن هذا الباشا حاكمكم – من قلة بصيرته وعماوة قلبه – قد جذب على نفسه الإنتقام المهول، وقد دنا منه القدر المقدر عليه ومن قريب يحل به ما استحقه من العذاب المهين.
أما أنتم يا شعب المغاربة، إعلموا أو تأكدوا يقينا أني لست آتيا لأجل محاربتكم، فعليكم أن لا تزالوا آمنين ومطمئنين في أماكنكم وكل ما لكم من الصنائع و الحرف براحة سر. ثم إني أحقق لكم أنه ليس فينا من يريد يضرّكم لا في مالكم ولا في أعيالكم ومما أضمن لكم أن بلادكم وأراضيكم وبساتينكم وحوانيتكم وكل ما هو لكم صغيرا كان أو كبيرا يبقى على ما هو عليه ولا يتعرّض لشيء من ذلك جميعه أحد من قومنا، بل يكون في أيديكم دائما، فامنوا بصدقي كلامي، ثم إننا نضمن لكم أيضا ونعدكم وعدا مؤكدا غير متغير ولا متأول أن جوامعكم ومساجدكم لا تزال معهودة معمورة على ما هي عليه الآن و أكثر، وأنه لا يتعرّض لكم أحد في أمور دينكم وعبادتكم، فإنّ حضورنا عندكم ليس هو لأجل محاربتكم وإنما قصدنا محاربة باشتكم الذي بدأ وأظهر علينا العداوة و البغضاء. ومما لا يخفى عليكم غاية تحكمه وقبح طبعه المشؤوم. ولا ينبغي لنا أن نطلعكم على أخلاقه الذميمة وأعماله الرذيلة فإنّه واضح لديكم لأنّه لا يسعى إلا على خراب بلادكم ودثارها وتضييع أموالكم و أنفسكم. ومن المعلوم أنّه إنما يزيد أن يجعلكم من الفقراء المنحوسين المبهدلين الخاسرين أكثر من المسخط عليهم، فمن أعجب الأمور كيف يغبى عنكم أن باشتكم لا يقصد الخير إلا لذاته. و الدليل كون أحسن العمارات و الأراضي و الخيل و السلاح و اللبس و الحلي وما أشبه ذلك كله من شأنه وحده.
فيا أيها أحبابنا سكان المغرب أنّه عزّ وجل ماسمح بأن يصدر من باشتكم الظالم ما فعله من أعمال الخبث و الردى إلا إنعاما منه سبحانه و تعالى عليكم حتى تحصلوا بهلاكه وبزوال سلطنته على كل خير، ويفرج عنكم ما أنتم فيه من الغم و الشدة و إذ و الحال هذه أسرعوا واغتنموا الفرصة و لا تعمى أبصاركم عما أشرفه الله عليكم من نور اليُسر و الخلاص، و لا تغفلوا عما فيه مصلحتكم، بل استيقضوا لكي تتركوا باشتكم هذا وتتبعوا شورنا الذي يؤول إلى خيركم وصلاحكم. وتحقققوا أنه تعالى لا يبغي قط ضرر خليقته، بل يريد أن كل واحد من براياه يجوز ما يخصه من وافر نعمه التي سبغها على سكان أرضه.
يا أيها أهل السلام إن كلامنا هذا صادر عن الحب الكامل، وإنّه مشتمل على الصلح و المودّة وأنتم إذا شيعتم مراسليكم إلى أوردينا حينئذ نتكلم وإياهم و المرجو من الله تعالى أن محادثتنا مع بعضنا بعض تؤول إلى ما فيه منافعكم وصلاحكم، وعشمنا بالله أنكم بعدما تحققتم أن مقاصدنا و غياتنا الفريدة ليست هي سوى خيركم ومنفعتكم تشيعوا لنا صحبة مراسليكم كل ما يحتاج إليه عسكرنا المنصور من الذخائر ما بين طحين و سمن وزيت و عجول و غنم وخيل وشعير ومايشبه، وحين وصلت مرسلاتكم هذه إلينا فحالا ندفع الثمن فلوسا نقدية على ما تريدون و أكثر. هذا و أما إن كان منكم معذا الله خلاف ذلك حتى تختاروا محاربتنا ومقاومتنا، إعلموا أن كل ما يصيبكم من المكروه و الشر إنما يكون سببه من جهتكم فلا تلوموا إلا أنفسكم فأيقنوا أنّه ضدّ إرادتنا، فليكون عندكم أنّ عساكرنا المنصورة تحيط بكم بأيسر مرام ودون تعب، وإن الله يسلّطها عليكم فإنه تعالى كما أن يأمر من يجعل لهم النصر و الظفر بالرحمة و المسامحة على الضعفاء المظلومين، فكذلك يحكم بأشد العذاب على المفسدين في الأرض العائثين على البلاد، فلا بد أنكم إن تعرّضتم لنا بالعداوة و الشر هلكتم عن آخر.
هذا يا أيها السادة ما بدا لي أن أكلمكم به فهو نصيحة مني إليكم وايقنوا يقينا مؤكدا أن كلام سلطاننا المنصور المحفوظ من الله تعالى غير ممكن تغييره لأنه مقدّر و المقدر لا بد أن يكون، و السلام على من سمع وأطاع.

نبذة تاريخية عن البيان الأول من الفرنسيين إلى الشعب الجزائري عام 1830:

جاء في المجلة الإفريقية (ريفو أفريكان Revue Africaine) الجزء السادس لعام 1862:

بعث لنا مراسلنا الكريم، السيد الدكتور لكلير M. le docteur Leclerc بالمراسلة الآتية:
“لي الشرف أن أرسل لكم، وبالخصوص للمؤسسة التاريخية، وثيقة ستنال اهتمامها بلاشك، والوثيقة التي من شأنها أيضا أن تجد لها مكانا في المجلة هي بيان توجه به المارشال بورمونت إلى العرب غداة حملة الجزائر. ومن المحتمل أنه حتى مكتبة مدينة الجزائر La Bibliotheque d’Alger نفسها تفتفر لمثل هذا المرجع. وستشرح المعلومات التي سأزودكم بها الظروف التي قادتنا لاكتشاف الوثيقة في مدينة أميانز Amiens بمعية نسخة أخرى يمكنني أن أبعث لكم بها أيضا لتضمينها في المجلة.
” تلك المعلومات مدونة على نسخ أخرى في مكتبة مدينة أميانز La Bibliotbèque d’Amiens.

“كُلّف الماركيز دي كليرمون – تونير De Clermont-Tonnerre – وهو عقيد في هيئة الأركان من عائلة تنحدر من بيكاردي -، من طرف وزارة الحربية بتحضير بعثة حملة الجزائر. وسهل إلمامه باللغة العربية المهمة للعقيد. وكان لعلاقاته مع سكان منطقة ميدي الفرنسية، و اتصالاته المتينة مع عدد من القناصل و الشخصيات الرسمية و الرحالة الأمريكيين و الإنجليز و الهولنديين، كان لذلك الفضل في إتمامه للدراسة الميدانية لمحيط مدينة الجزائر.

” في حدود منتصف شهر جانفي من العام 1830، أصدر الماركيز دي كليرمون – تونير Clermont-Tonnerre أمرا بتأسيس مكتب خاص في وزارة الحربية كُلّف بتنفيذ خرائط ومخططات الحملة أشرف عليه النقيب فولتز من هيئة أركان الجيش، وبنهاية شهر ماي من العام نفسه كلّف الكومت دي بورمون الماركيز دي كليرمون – تونير بطباعة بيان باللغة العربية.

أعدّ السيّد دي ساصي النص بروح التعبير المستعمل في شمال إفريقية، وصدرت نُسخ البيان بتقنية الطبع الحجري بمطبعة أنجلمان.

يمكن الإطلاع على هذا البيان في الصفحة الأخيرة من كاتلوغ مكتبة أم. دي ساصي، المجلد ٣، عدد 5757، مع التوضيح الآتي:
“بيان إلى سكان مدينة الجزائر و إلى القبايل”
” توجد طبعتان من هذه الوثيقة: التي بين أيدينا وهي مطبوعة بالطباعة الحجرية مقاس الكولومبيه (خمسة على عشرة سنتمترات)، مطرزة بحاشية من الزخارف الشرقية يعلوها شعار سلاح فرنسا.
أما الطبعة الثانية فهي أقل حجما، طُبعت على ورق الكاري (خمسة على ستة سنتمرات) تتضمن ستة وعشرون سطرا من النصوص. وربما هذه الأخيرة هي التي اشتهرت عند العرب بعد الإنزال العسكري بما أنها ألصقت إلى الشجيرات.
“لا يوجد، إلى حد علمي أي طبعة فرنسية لهذه الوثيقة، لكن يوجد النص العربي مطبوعا في مؤلف أم. هومبير المعنون بـ كريستوماتيك”

“تحتفظ مكتبة مدينة أميانز بهذين الطبعتين اللتين حصلت عليهما من الماركيز دي كليرمون-تونير. هناك ترجمة يدوية للطبعة الأكبر. الطبعة التي أرسلها لكم هي الأصغر حجما: علما أن نسخة مكتبة مدينة أميانز تتميز بألوان شعار سلاح فرنسا. لاتختلف الطبعتان في أي شيء باستثناء كلمة وحيدة، وفي توزع الأسطر.

” أعتقد أنه من غير المجدي أن أزودكم بترجمة قد تقومون بها أفضل مني، لكنني أبرزت بعض الكلمات من الترجمة الأصلية التي كانت بين الأسطر، وذلك من أجل المساعدة على روح النص العربي، أو لفك الإبهام عن بعض الكلمات العربية المكتوبة بطريقة رديئة. لقد أعطيت لي هذه النسخة من مالكها السيد غارنييه، قيم مكتبة مدينة أميانز.

“توقيع الدكتور لكلير docteur Leclerc”

—-

ويعقب محرروا المجلة:
” نضيف المعلومات الآتية إلى ما أورده الدكتور لكلير عن أول وثيقة رسمية وجهتا فرنسا للجزائريين؛ يروي السيد ميرل، وكان السكريتير الخاص للكونت دي بورمون خلال حملة عام 1830، في الصفحة 121 من مؤلفه “نوادر من فتح مدينة الجزائر Anecdotes sur la conquete d’Alger” الذي نُشر في باريس عام 1831، أن أول أسير عربي لدى الجيش الفرنسي كان رجلا من بيسكارا (بسكرة؟)، وقد تم الإفراج عنه بسرعة مع مرافقته حتى خارج المعسكر بعد تعبئة جعبته بالمؤونة و نسخ من وثيقة البيان محررة باللغة العربية، هبة رغب الجنرال في أن يزيد عليها مبلغا صغيرا من المال. لقد كان لتلك المبالغة في التشريف والإكرام سببا في النهاية المأساوية لذلك الأسير، إذ سرعانما تجاوز خطوطنا ببضع مئات من الخطوات حتى انقضت عليه مجموعة من البدويين بأمر من أحد الإنكشارية، مما أرداه في لحظة واحدة قتيلا مقطع الأوصال”

=========

مصادر هذا الموضوع:

REVUE AFRICAINE – VOLUME 6 ANNÉE 1862

كتاب: نصوص و وثائق في تاريخ الجزائر المعاصر 1830-1900 عبد الحميد زوزو

كتاب: الحركة الوطنية الجزائرية – أبو القاسم سعد الله

رابط مختصر