نداء 12 نوفمبر 1936 من مصالي الحاج الى الأمة الجزائرية الكريمة

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 24 أغسطس 2015 - 11:04 صباحًا
نداء 12 نوفمبر 1936 من مصالي الحاج الى الأمة الجزائرية الكريمة

نداء 12 نوفمبر 1936 من مصالي الحاج الى الأمة الجزائرية الكريمة

أيها الشعب الجزائري الكريم:
سلام عليك من ابن أقسم بالله أن يضحي في سبيل حريتك و سعادتك حتى آخر قطرة من دمه و آخر جزء من روحه، و آخر نفس من رمق و حياته {{و انه لقسم لو تعلمون عظيم}}
سلام عليك يا شعب يوم ولدت حرا عزيزا، و يوم نشأت حرا شريفا، و يوم تصبح بإذن الله حرا طليقا، ترفرف على هضاب المجد أعلامك، و تتناول نجوم السماء أحلامك، و ينتصر لك في العالمين إيمانك و إسلامك.
بفضل تضحيات أبنائك البررة المفتول السواعد، المفعمين قوة و فتوة وطنية و إيمانا، الواثقين بقول رب العالمين “الذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا و إن الله مع المحسنين”

أيها الشعب الجزائري الكريم:
إني أشكر لك عظيم احتفائك، و جليل تقديرك لهذا الإبن الضعيف و التفاتك حوله، و حسن إقبالك عليه، و إن هذا الإقبال المدهش الذي لقيتني به الأمة أنّى حللت و هذه الإحساسات الشريفة التي كانت تغمرني أنّى نزلت ليست إلا برهانا صحيحا على أنّ هذه الأمة المباركة أدركت واجبها في الحياة و أصبحت تميّز بين من يريد لها الخير و الحياة و بين من يريد لها الفناء و الإضمحلال.

على هذا الإكبار و هذا التقدير ليس لشخصي الضعيف الفاني، إنّما هو لهذا المبدأ السامي الشريف، و تلك الأمانة الوطنية المقدّسة التي أخذنا عهدا أمام الله و الملائكة و الناس أجمعين أن نصونها من يد العابثين في تحقيقها و لو قطعوا منّا الوتين، و بلغت الروح التراقي و انقطع آخر رمق من حياتنا و التي وهبناها راضين مطمئنين حبا و وقفا لهذا الوطن العزيز المفدّى، و إن وطنا يشعر هذا التعلق بالمخلصين من رجاله لهو شعب حي يجب أن يتبوأ مقامه فوق الشمس المشرقة رافع الرأس، شامخ الأنف، مرفوع الكرامة…

فحياك الله أيها الشعب و بياك

أيها الشعب الجزائري ::
قد تبين لك في بحر هذه الحوادث السياسية الأخيرة من هو المخلص المجاهد و من هو المذبذب المقامر، و من هو المنافق المتاجر، و قد رأيت حزبك الوطني الوحيد يخرج من المعمعة ساطعا كفلق الصبح صافيا كالضمير الحر، و لم يتزعزع في جهاده، و لم يتزخزخ قيد شبر عم مبادئه، و لم يتسامح قط في أصغر حقوقك المقدسة، وذلك لأنه يعمل بضمير و إخلاص و ثبات و ثقة بالله و لأنه يدين بأن “كل من تسامح في حقوق بلاده و لو مرة واحدة يعد أبد الدهر مزعزع العقيدة و سقيم الوجدان” {{ و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعو السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون }} و قد برهن لك في تاريخ جهاده خمسة عشر سنة في سبيل إسعاد هذا الوطن و ما لقيه من ضروب التنكيل التعذيب و التشريد و الإضطهاد في أعماق السجون و غياهب السيلونات أنه حزب يعمل لغاية شريفة و يجب أن ينالها طوعا أو كرها قصر المدى ام طال، و أنّه هو هو بالأمس أيام العسف و الجور الفاشستي الغاشم كما هو هو اليوم في عصر الواجهة الشعبية الباسم، و إن مطالبه هي هي لم تتغير و لم تتبدل، و إن رجاله هم هم لم ينسلخوا و لم يتجنسوا و لم يندمجوا و لم يتفرقوا، و سيبقون كذلك ما دامت الأرض أرضا و السماء سماء، و ما دام الشرف يسمى شرفا و الوطنية تسمى وطنية، و الآية الصارخة: {{ و اصبر و ما صبرك إلا بالله و لا تحزن عليهم و لا تكن في ضيق مما يمكرون ان الله مع اللذين اتقوا و اللذين هم محسنون}}. {{ و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}}

ان للحزب الوطني لتاريخا ذهبيا مكتوبا بدم الشرف على دواوين البطولة، و ماضيا مفعما بجلائل الأعمال، فقد صاح صيحته في أذن الإستعمار الغاشم بباريس حين سكت الناس، و أقدم حين أحجم الناس، و تشجّع و استبسل حين جبن الناس و خارت قواهم و أسكتهم الخوف عن كلمة الحق يصارحون بها أمام دهاقين الجور و العسف، إذ ذاك صرخ رجال الحزب الوطني وحدهم في وجه الاستعمار، أن الجزائر خلقت حرة سعيدة يجب أن تحيا سعيدة، فلاقوا من جراء ذلك ألوانا من العذاب. {{ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضغفو و ما استكانوا }} و أنهم يعاهدونك أيها الشعب الكريم انهم سيبقون على تلك المبادئ لا يخافون و لا يحبنون و لا يتزحزحون مهما كلفهم ذلك من الصحايا، فلقد امتحنتهم أيها الشعب في أيام البلاء فوجدتهم صابرين، فأمتحنتهم في أيام الرخاء تجد {{أنهم لأماناتهم و عهدهم راعون}} و ليسوا كهؤلاء القنافذ الهدّاجين، كانو مختبئين أيام المحنة فظهروا اليوم يساومون ثقة الشعب الغر الكريم {{ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبلو أخباركم }}.
{{ آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولو ءأمنا و هم لا يفتنون، و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين }}.

أيها الشعب الجزائري،
ان مبادئ حزبك الوطني الذي أسس على الملية من أول يوم هي السعي لتحريرك بالطرق المشروعة في دائرة إسلامك و جنسيتك الغالية المتألقة في بطون الأجيال و الدفاع عن كرامتك و الذود عن حماك في محيط ذاتيتك الشريفة المقدسة – تلك هي مبادءنا التي فطرنا عليها و نشأنا عليها و قدمناها للحكومة في كراس يوم 23 جوان 1936 بواسطة وفد من رجالنا و عليها نبقى و عليها نحيا، و عليها نموت – إن وجب الموت؛؛ نحن نريد أن تكون لغتك العربية رسمية للبلاد، ونريد أن تكون مساجدك و أوقافك بيدك تتصرف فيها بحسب القرآن العظيم. و نطلب لك برلمانا جزائريا يضمن لك ذاتيتك و حقوقك أمام الأغلبية الساحقة من المستعمرين، و لا نريد إذلالك على يد أقلية ضئيلة في البرلمان الفرنسي قد لا تنجر ضمائرهم من عبث العابثين؛ ولا نطلب إلحاقك بفرنسا لتكون فرنسويا عزيزا كما يقولون {{وكبرت كلمة تخرج من أفواههم}} {{ إنها للأحدى الكبر }} يا الله للجزائريين: الإندماج، أو الالحاق، أو الإرتباط، أو الإمتزاج، أو الإقتران، أو الموت أو الفناء، أو الإضمحلال … مترادفات معناها واحد يلوكها قوم و لا يفهموم معناها و يفتخرون بطلبها في عهد الواجهة الشعبية و لا يدركون مقدار ما تحويه من الخزي و العار و من المضحكات المبكيات في آن واحد!
و كم بالجزائر من مضحكات ******و لكنه ضحك كالبكاء
اليوم ضحك الشرق بملاء شدقيه على سخافتنا و يسخر الغرب بملاء فكيه على أذقاننا، و تبرأ شمال إفريقيا من هذه السياسة التي قد لا يتشرف بانتسابنا إليه بها؛ أنّى لهذا النوم من يقظة؟ آما آن لهذه الذبذبة نهاية؟ آما آن لهذا الليل من آخر؟ بعد مائة و ست و ستين استعمار نطلب الإندماج؛ يا للعار و يا للفضيحة؛ الإندماج، الإلحاق – ما افضعها كلمة {{تحسبونه هيّنا و هو عند الله عظيم }} – {{يعظكم الله ان تعدودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } إن شعبا يطلب الاندماج في شعب آخر لهو شعب قطع الصلة بينه و بين ربه، و بينه و بين تاريخه و اجداده، و بينه و بين أبنائه من بعده، و نحن الجزائريين لنا تاريخ ماجد، و لغة شريفة و ذاتية مقدسة، و ضمير حر، و هذه كلها تأبى علينا أن نقطع الصلة بها و نطلب الإلحاق، و تنذرنا إن فعلنا -قبرا محفورا، و كفنا منشورا، و هناك ندعوا ثبورا، فلا نجد نصيرا، و لا نلقى ظهيرا، و لئن طلب السينيغال إلحاقهم فهل ذاتيتنا كذاتيتهم؟ و هل تاريخنا كتاريخهم؟ كلا و ألف كلا فنحن أشراف من أشراف من أشراف، يجب أن نبقى أشرافا لأشراف.
و إنا لنختار أن نبقى مضطهدين جزائريين من أن نصير أحرار فرنسيين، تلك كلمة و إن أحرجت بعض الناس إلا أنها كلمة حق نقولها و لا نبالي ليحق الحق و يبطلق الباطل . {{ يا أيها اللذين ءآمنو لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا}}.

على رسلكم يا طلاب الإلحاق ::
و مهلا يا خصومنا السياسيين، لا تظنوا أن الأمة معكم، فلسنا نظن أن جزائريا واحدا يعلم أنكم تطلبون الإلحاق و يفهم معناه يرضى بذلك، و لكنكم جرفتم معكم البسطاء باسم المطالب الأخرى الشريفة التي طلبناها و قلدتمونا فيها، و لو علموا ان الإلحاق “رأسمال” تلك المطالب لكان لهم معكم موقفا غير هذا .
فعلى رسلكم لا تتسللوا لواذا من المسؤولية النبيلة و لا تتضايقوا من مفآجات المصالي و تعقبه لانتماءاتكم , فللمصالي الحق و للأمة جمعاء أن تناقشكم الحساب العسير، نحاسبكم على النقير و القطمير لأن الموقف موقف حرج و المسألة مسالة حياة أو موت و الحكم حكم في مصير الأمة كاملة لا ترضى أن ترجع فرنسية أحببتم أم كرهتم و لا ترضى أن يقامر أحد بحقوقها على مائدة – الأخذ بالخاطر – أو أن يمسكها في سوق – مراعاة الظروف فلا منزلة بين المنزلتين يا قوم؛ إما وطني صميم، و إما خائن أثيم، و لن نتسامح معكم في التلاعب بأصغر حق من حقوق هذه الأمة المسكينة التي أخذنا على عاتقنا عهد التفاني في سبيلها و التضحية لتحريرها.

ما أسخف من يعتقد منكم أننا في دور – التجربة -وما أخف عقله على حد قول العامّة – يتعلموا الحجامة في رؤوس اليتامى – و هذه التجربة التي تتبجحون بها بمثابة المقامرة لتجريب البخت أو كمن يجرب شرب كأس من الخمرة ليعلم هل هي مسكرة أو لا؟ أو كمن يجرب وضع السماء تحت الأرض و الأرض فوق السماء فما أبرد هذه السخافات و ما أسمجها، فلا تجربة في البديهات!. ولا مغامرة بحقوق الأمة، و ما أسكر كثيره فقليله حرام، و هيهات أن تستخرج من الحنظل عسلا، و من القار لبنا خالصا سائغا للشاربين!.
فوالذي خلق الجزائر و خلقنا جزائريين و ملأ قلوبنا بالعقيدة الراسخة و الإيمان الصحيح، لا نفتأ نقوّم اعوجاجكم في مسألة الإلحاق و لا ننفك نباهلكم أمام من شئتم و إذا أردتم الإنصاف تعالو نستفسر العالم الشرقي كله و نكاتب زعماء الأقطار الإسلامية أجمعين، و لنجعل الإنصاف رائدنا و الحق حكما بيننا و بينكم {{ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }}.

أيها الخصوم السياسييون ::
طالما قاومتمونا بطرق شريفة و غير شريفة، و طالما أقمتم الدّعايات ضد حزبنا الوطني و ضد برنامجنا الملّي، أما نحن فلا نجيبكم بالمثل لأننا قوم أشرف و مصلحة الجزائر فوق الجميع بل نشفق لحالتكم التي تستدعي الشفقة و نجيبكم بإخلاصنا و أعمالنا و ثباتنا فهولوا أو عرقلوا أو عولوا فلن يزيدنا ذلك إلا ثباتا و رسوخا و انتشارا لدعوتنا و لن يزيدكم ذلك إلا ذبذبة و افتراقا و فشلا و ها هي الحوادث شاهدة فأنتم لم تبرهنوا حتى على قدرتكم على الإحتفاط بوحدتكم و لو شهرا واحدا، فكيف تحتفظون بالأمة سنوات؟ فها هي فلولكم في كل ناحية و هي هي طلائعكم تنصب لكم الحبائل و تدسّ لكم الدسائس يوما بعد يوم و ها قد أصبحتم متناقضين شيعا {{ يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضطك بعض }} أما نحن فقد ثبتنا مدة خمسة عشر سنة كاملة على برنامج واحد و على سيرة واحدة و لن نتفرق او نتزحزح بإذن الله ما دام فينا قلب يخفق و عرق ينبض بحبّ هذا الوطن العزيز المفدّى و لم يطعن أحد منا قط في لغة أباءه او أجداده و ليس بيننا متجنسون؛ أما أنتم فها هو أحد متجنسيكم يخطب باسمكم في “تيزي وزو” و يسب اللغة العربية و يتهكم على من طلب أن تكون لغة رسمية للبلاد.

و ها هو بوهران يطعن التاريخ الجزائري في الصميم و أنتم ساكتون تصفقون؛ و ها نفسه عينه بعد ذلك بيومين يطعن سمعتكم و سمعة الإسلام و الجزائر في أكبر الهيئات بتناوله الخمر نهارا جهارا أمام نخبة الشعب في مأدبة الشعب و ها هو اليوم ينصب الحبائل للوقيعة بكم و إسقاط جامعتكم مع عدوكم اللّدود الذي كان بالأمس رئيسه عليكم و كان يطعنكم سرا و علانية و انتم صامدون، من أعان ظالما ابتلى به – و هاهو الآخر و الآخر كل ذلك مسجل في كتاب معلوم ليوم لا ريب فيه و ما دام صنائع الإستعمار يلعبون بكم فلن تأمنوا على كرامتكم و كرامة الوطن المنكود.

يعتمد البعض منكم في الدعاية ضدنا أننا متطرّفون متهوريون نطلب الاستقلال، نعم نطلبه بكل شرف و لكن بالسعي في سبيله و لسنا نطلبه اليوم بل نقول لكم أن برنامجنا هو السعي لتحرير الجزائر بالوسائل المشروعة و لم نحدد لذلك أجلا بل ان الخط الذي نسلكه في جهادنا هو خط التحرير و ليس خط الإندماج و التجنيس و شتان بين السعي و بين التنفيذ، فالأيام و قوة الشعب وحدهما كفيلان بتحديد اجل التنفيذ و الله من وراء ذلك محيط، كفاكم يا دعاة الإندماج و الإضمحلال و يا أعداء الحرية و الاستقلال…
حسبنا أنكم مهما نشطتم في طعننا و تفننتم في الدعاية ضدنا و تعاليتم في تصويرنا للحكومة و أمعنتم في إصدار قوانين “الأنديجينا الأهلية” علينا تقوّى حزبنا و انتشرت دعايتنا و دخل الناس دين الله أفواجا {{و البلد الطيب يخرج نباته بإذن الله و الذي خبث لا يخرج إلا نكدا} إطعنوا فينا و قاومونا و ارتكبوا الغلطات السياسية دائما فاننا سوف نبني صرح دعايتنا على كاهل غلطاتكم الفادحة التي هي في آن واحد خزي عليكم و خدمة لنا و سينبلج الصبح لذي عيينين، و ستندمون يوم لا ينفع الندم {{ يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتا ليتني لم أتّخذ فلانا خليلا لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا}
و أنت أيها الشعب الجزائري الكريم: أيها الشباب الوطني المسلم الصميم اعتمد على ربك وحده، و اتبع الحزب الوطني و جنده، ومحض ثقتك و إخلاصك و طاعتك لزعمائك الوطنيين الصريحين، و ليكن إمامك القرأن، و رائدك الايمان و ثق بقول رب العالمين: {{ و كان حقا علينا نصر المؤمنين }} فسيأتي يوم و ليس ببعيد تصبح فيه أيها الشعب الجزائري الماجد سابحا في سماء الحرية حراً طليقا باسم الثغر وضاح الجبين…و السلام عليكم و رحمة الله.

من إبنك المخلص المصالي حاج
باريس يوم 12 نفامبر 1936

المصدر:
موقع المؤرخ رابح بلعيد وموقع مؤسسة مصالي الحاج

رابط مختصر