مقال : الثورة الجزائرية و المغرب العربي لعامر رخيلة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 24 فبراير 2016 - 1:08 مساءً
مقال : الثورة الجزائرية و المغرب العربي لعامر رخيلة

مقال : الثورة الجزائرية و المغرب العربي لعامر رخيلة

عامر رخيلة ،مجلة المصادر ، العدد الأول ، 1999

مقال مهم في دراسة التجارب الوحدوية المغاربية

المقد مة

إن الدارس للعلاقات التي كانت سائدة بين الحركات الاستقلالية في أقطار المغرب العربي، يخلص إلى أنها عرفت إثر الحرب العالمية الثانية منحى جديدا تميز بتكثيف الاتصالات والتشاور وعيا بأهمية المواجهة الموحدة للعدو المشترك. وكان من أبرز ما أنجز في الأربعينات: تأسيس مكتب المغرب العربي ثم لجنة تحرير المغرب العربي، وإقرارا مبادئ أساسية في مقدمتها:
– التمسك بالاستقلال التام لكافة أقطار المغرب وحصول كل قطر على استقلاله لا يسقط عن القطرين الآخرين واجبه في مواصلة الكفاح لتحرير البقية.
– رفض فكرة السيادة المزدوجة و الدخول في الاتحاد الفرنسي الذي كانت فرنسا تلوح به.
وعلى الرغم مما كان يدعو له “عبد الكريم الخطابي” وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية من وجوب تجسيد المبادئ المتفق عليها بين الحركات المغاربية، فإنه منذ 1948 بدأت ملامح التملص من العمل على مستوى مغاربي تتضح جليا ، فكانت الدعوة إلى وجوب تكوين جبهة مغاربية موحدة ومؤهلة للانتقال للعمل تصطاد بسيطرة النظرة الوطنية الضيقة في كل من المغرب وتونس والدعوة إلى الحل الثنائي مغربي – فرنسي، تونسي – فرنسي .
وكانت ذريعة أنصار هذا الاتجاه أن الوضعية الجزائرية تختلف عن حالتي تونس والمغرب من حيث الوجود الاستعماري.
وإذا كان الاتجاه المحلي الذي بدأه بورقيبة وتبعه ولو بشكل غير صريح علال الفاسي الرافض لزعامة محمد عبد الكريم الخطابي لما تمثله من تنافس جدي لا لشخصية (الفاسي) فحسب، بل وللملك محمد الخامس ،مما جعل الفاسي يزيد من التحام حزب الاستقلال بالملك، ويتنصل من التزاماته تدريجيا في لجنة تحرير المغرب العربي وما تلاها من لقاءات مغاربية .. فإن اندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954 حتى وإن جاء بعد اندلاع المقاومة في كل من تونس و المغرب أعاد من جديد مسألة خلق جبهة مغاربية شعبية ضد الوجود الاستعماري ومن أجل الاستقلال الكامل لأقطار المغرب العربي … ومما زاد من ترجيح كفة هذا الاتجاه ذلك التفاعل الشعبي المغاربي الذي عرفته الثورة الجزائرية منذ اندلاعها، وهو التفاعل الذي أصبح يهدد جديا تأثير ووجود الحركتين الوطنيتين في كل من تونس و المغرب ..ففي تونس رفض الكثير من المناضلين تسليم أسلحتهم للجان الحزب الدستوري أو للإدارة الفرنسية تنفيذا للاتفاق المتوصل إليه بين الطرفين في مطلع شهر ديسمبر 1954 (أي شهرا واحدا بعد انطلاق ثورة نوفمبر )..وكان أن أقدم العديد من المقاومين التونسيين على الإلحاق بأسلحتهم بصفوف جيش التحرير الوطني .
وفي المغرب دعا الأمير عبد الكريم الخطابي المقاومة المغربية و المواطنين إلى مؤازرة الثورة الجزائرية وتنسيق  العمليات العسكرية ضد الوجود الاستعماري في أقطار المغرب العربي .
وإذا كانت الإدارة الاستعمارية عمدت إلى الاتفاق مع القيادة التونسية واستدرجت الملك محمد الخامس (الموجود في المنفى يومئذ) قصد الحيلولة دون تكوين جبهة مغاربية مقاومة، وتفويت الفرصة على الإتجاه الثوري في المغرب العربي لتجسيد ما كان يدعو له الأربعينات، فإن تلك الإدارة لم تتمكن من قطع الصلة بين الحركات المغاربية التي وجدت نفسها أمام التفاعل الشعبي مع القضية الجزائرية ملزمة بمسايرة الثورة الجزائرية و التفاعل معها ، وهو ماأريد تناوله، في هذه الدراسة من خلال الجوانب الثلاثة التالية :

 أولا : أثر الثورة الجزائرية على المغرب العربي
لقد كان للمعادلات الدولية الجديدة المترتبة عن الحرب العالمية الثانية، وغيرها من العوامل الإقليمية و الدولية، آثارها وانعكاساتها على تطور الأوضاع في كل من تونس و المغرب الأقصى في صراعهما ضد إدارة الحماية الفرنسية.
وكان من شأن تلك المتغيرات أن تجعل خيار العمل المسلح لا يحتل الصدارة في وسائل المقاومة لدى الحركتين الوطنيتين في كل من تونس و المغرب الأقصى، ولذلك فإنه حتى وإن اندلعت المقاومة المسلحة المحدودة منذ مطلع الخمسينات في القطرين ضد الوجود الفرنسي، فإن قادة الحركتين الوطنيتين كانوا ينظرون للعمل المسلح كعامل محدود ومساعد في عملية يحتل فيها العمل السياسي التفاوضي المقام الأول (1) ومن هذا المنظور فقد حرص الطرفان (التونسي و المغربي ) على أن لا تتطور الحالة الثورية التي بدأت تعم القطرين إلى عملية ثورية واسعة النطاق، خاصة وأن المقاومة التونسية كانت تجد في الشرق الجزائري لا الدعم و المساندة الشعبيين فحسب ، بل وصل الأمر حسب شهادة العقيد مصطفى بن عودة إلى درجة انتساب (تجند )مناضلين من الحركة الوطنية الجزائرية في صفوف المقاومة التونسية، إذ يذكر في هذا الشأن قوله :”..في الوقت الذي كان فيه (الفلاقة) (2)بتونس يواصلون الثورة كانت منطقة سوق أهراس تعيش أحداث الثورة مع تونس حتى أن الثوار التونسيين الذين كانوا يسمونهم باسم (الفلاقة) كانوا يلتجئون إلى الجزائر وبالضبط إلى  ناحية سوق أهراس وكانت لهم اتصالات بالسيد باجي المختار رحمه الله وكان يقدم لهم المساعدة و التموين بالسلاح و الذخيرة و الأفراد حتى أن بعض الجزائريين كانوا قد التحقوا بصفوف الفلاقة ومن بينهم السيد لزهر شريط رحمه الله و السيد العقبي الذي كان مسؤولا عن الفداء داخل تونس و الذي قتل العقيد تونسي بالقصبة بتونس ، فهؤلاء المناضلين كانوا أعضاء بالمنظمة العسكرية و السرية ومناضلين في صفوف حزب الشعب الجزائري .”(3)
إن ذلك التفاعل مع المقاومة التونسية إذًا كان يؤكد حقيقة الطموح الشعبي على المستوى المغاربي في إقامة جبهة التحرير موحدة وحقيقية بين الأقطار المغاربية الثلاث (حزب الاستقلال، حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، الحزب الدستوري الحر ) لم تتمكن من تجاوز “قطريتها ” وأصبحت عرضة “لانقسامات داخلية ” جعلت كل منها تميل إلى العمل المنفرد وتسعى قيادتها إلى التحكم وإثبات الوجود على مستوى التنظيم الحزبي، أي أن الإستراتيجية العامة للقيادة الحزبية في التنظيمات الثلاث كانت مدفوعة بالرغبة في البقاء في صدارة التنظيم ،وهو الأمر الذي كانت له انعكاساته على القواعد النضالية لتلك الأحزاب و التي بدأت تعمل في اتجاه بلورة عمل عسكري موحد على المستوى المغاربي ، وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ (عبد الحميد مهري ) أنه بعد مؤتمر حركة الانتصار للحريات الديمقراطية (أفريل 1953 ) اتصل به شابان مغربيان قدما من تونس أرسلهما إليه الطاهر قيقة ، ويقول (مهري ) بشأنهما :
“…كانت مهمتهما الظاهرة أنهما يريدان الذهاب إلى المغرب مسقط رأسهما…ولكنهما جاءا في الواقع يطلبان مني أن أمكنهما من الاتصال بأحمد مزغنة (4)لتنظيم حركة المقاومة المسلحة في الجزائر و الإسهام في تنسيق حركة مسلحة في المغرب العربي كله ” ويضيف مهري قوله :” وبعد الحديث معهما تعرفت إلى حقيقة هويتهما ،كان هذان الشابان هما الهاشمي الطود و حمادي الريغي (الذي وقع بعد اندلاع الثورة في أسر القوات الفرنسية بالولاية الثالثة سنة 1955 على ما أذكر ) وعن اتصالاتهما وعلاقتهما يقول مهري :”…فهمت منهما أنهما على اتصال وثيق بجبهات ثلاث : الأمير عبد الكريم الخطابي من جهة ومصالح المخابرات المصرية من جهة ثانية وبعض ممثلي حزب الشعب في مكتب المغرب العربي من جهة ثالثة، وأنهما اتصلا بعدد من المسؤولين في الديوان السياسي بتونس قبل مجيئهما الجزائر، وينويان القيام بسلسلة أخرى من الاتصالات في المغرب لنفس الغرض.”وعن نتيجة مهمتهما في الجزائر يذكر مهري قوله أنه سألهما عما يهمهما بالذات هل هو اللقاء بأحمد مزغنة أم الاتصال بمن يستطيع القيام بمسؤولية الكفاح المسلح ؟…”فأجابا بدون تردد بأن الشخص لا يهمهما بقدر ما تهمهما المهمة ذاتها فجمعتهما حينئذ بمحمد بوضياف (5) واتفقنا معهما على استكمال البحث بعد رجوعهما من المغرب وإعطائنا صورة عن الوضع هناك للاتفاق نهائيا على خطة تضمن تنسيق الكفاح في المغرب العربي . و قد تم هذا فعلا بعد رجوعهما واعتقد أنهما حملا معهما صورة مشجعة عن الوضع في الجزائر و كان سفرهما نقطة انطلاق للاتصال بعدة جهات كما كانت الأنباء التي حملاها إلينا من العوامل التي جعلت الإخوان يضاعفون الجهود للاستعداد لخريف 1953 الذي كنا ننتظر أحداثا هامة .”(6)
إن مضمون هذه الشهادة من أحد رجالات الحركة الوطنية الجزائرية، وشهادة مصطفى بن عودة، حول تفاعل سكان الشرق الجزائري مع المقاومة التونسية في وقت كانت فيه حركة انتصار للحريات الديمقراطية تعرف انقساما حادا. كلها عوامل تؤكد أن القواعد الشعبية و النضالية كانت سباقة للتعبير عن طموحها الثوري ميدانيا متجاوزة بذلك عجز الحركات المغاربية الثلاث عن تجاوز الطموحات الذاتية لقياداتها والتجارب مع الإدارة الشعبية المعبرة عن طموحها في تكوين جبهة مغاربية تحررية تشمل الأقطار الثلاث  ، وهي الإدارة التي كانت قد صدمت بجملة من الرؤى المثبطة لاتجاهها من ذلك أن الطرفين المغربي والتونسي حرصا على أن يكون إطار العمل المسلح مجالا وزمنا إطارا محدودا لكونه عنصر في التفاوض السياسي لإلغاء اتفاقيتي الحماية و الإخراج القضيتين من الحيز الثنائي تونسي –فرنسي، مغربي –فرنسي ، إلى مجال أوسع (التدويل ) تجد فيه القضيتان ما يرجح كفتيهما ،وهو الأمر الذي لم يكن ممكنا بالنسبة للجزائر فوضعها يختلف إذ لا تكفي ” أعمال عسكرية محدودة ” أو ” نشاط تخريبي ” لجعل فرنسا تتخلى عن ” الحق ” الذي منحته لنفسها في الجزائر منذ السنوات الأولى للاحتلال و القائم على فكرة أن ” الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا ” .ولم يتصور التيار الاستقلالي، على الأقل منذ مجازر 8 ماي 1945 ومؤتمر 1947 ، تاريخ إنشاء ” المنظمة الخاصة OS” يقوم على اعتبار ” العملية الثورية ” عملية مختصرة في “مناوشات محدودة زمنا ومكانا”. ولم يكن أيضا من شأن عمل عسكري محدود ضد الوجود الاستيطاني الفرنسي في الجزائر أن يجعل الإدارة الاستعمارية، وكذا الطبقة السياسية الفرنسية على اختلاف انتماءاتها السياسية، أن تسلم بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم (7) .
لذلك فإن المناضلين الجزائريين عند اندلاع المقاومة في كل من تونس والمغرب الأقصى لم يترددوا في التفاعل معها ميدانيا، كما أنها (أي المقاومة في القطرين) بدأت تعرف باندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954 تطورات ملحوظة، أكدت للقيادة الفرنسية ما كانت تخشاه ، وكان قد عبر عنه وزيرها للداخلية آنذاك (ميتران) قبل اندلاع الثورة يقوله :”نعم إن حوادث المغرب وتونس خطيرة، ولكن ما هو أشد خطرا منها هو الهدوء السائد في الجزائر الآن “(8) ولم يخطئ ميتران فاندلاع الثورة في الجزائر كانت له انعكاساته وآثاره على أقطار المغرب العربي منذ انطلاق الشرارة
على الصعيد التونسي :   
كان لاندلاع الثورة الجزائرية انعكاسات مباشرة على سير المفاوضات الفرنسية – التونسية التي انطلقت في 18 أوت 1954، فبعد أن كانت المفاوضات العديدة السابقة بين ممثلي تونس و السلطات الفرنسية كثيرا ما تعرف تماطلات وتشدد من الجانب الفرنسي، فإن الأمر باندلاع ثورة نوفمبر 1954 تغير إذ أن السلطات الفرنسية، وفي محاولة منها لتطويق الثورة الجزائرية ، عمدت إلى تسريع المفاوضات الفرنسية التونسية لتتوج في شهر جوان من سنة 1955 باتفاقيات تمنح الاستقلال الذاتي  الداخلي لتونس ، ومشجعة لجناح بورقيبة (9) في الحزب الدستوري الحر في مواجهة جناح صالح بن يوسف الرافض لتك الاتفاقية التي كان يرى فيها ” خطوة إلى الوراء”.وأمام تعاظم الثورة الجزائرية واستمرار جيوب المقاومة التونسية الرافضة لأوامر تسليم الأسلحة، فإن فرنسا عززت موقف بورقيبة وأنصاره في مواجهة صالح بن يوسف وأتباعه الذين كانوا يعملون ويدعون إلى تعميم النموذج الجزائري للمقاومة و التأييد التام للثورة الجزائرية التي كانت ذات انعكاس مباشر على الساحتين التونسية و المغربية وهو ما نبه إليه)مؤتمر الصومام ( الذي أكد على أن التغيير المفاجئ في سلوك الحكومة الاستعمارية و الذي اتسم بالتخلي عن الجمود و السعي للبحث عن حل عاجل إنما دعت إليه أسباب إستراتيجية تتمثل في :
1- منع تكوين جبهة ثانية حقيقية بإنهاء الاتحاد بين الكفاح المسلح في الريف بالمغرب و في الجزائر.
2- إلغاء وحدة الكفاح في بلدان شمال إفريقيا الثلاثة .
3- عزل الثورة الجزائرية التي كانت طبيعتها الشعبية تجعلها أشد خطرا.”
لينتهي إلى التأكيد على أن سياسة الإغراء و المخادعة المستعملة مع زعماء تونس و المغرب للتخلي عن مساندة الجزائر لن تفلح لأن ” الذي يمتاز به الوضع السياسي في شمال إفريقيا أن القضية الجزائرية مندمجة في القضية المغربية و في القضية التونسية أن القضايا الثلاث لا تكون إلا قضية واحدة “.
وكان مؤتمر الصومام بذلك قد أكد موقف الجبهة من الغاية التي كانت فرنسا تستهدفها من خلال سياسة المفاوضات مع تونس و المغرب و ترجيح موقف طرف على طرف آخر في الحركتين الوطنيتين المغربية والتونسية .ولفهم وقائع ذلك أكثر فإنه من والمعروف أن من الأسباب الرئيسية للقطيعة التي حصلت بين صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الدستوري ،و الرئيس الحبيب بورقيبة ، أن الأول كان يدعو إلى تبني النموذج الجزائري لنيل استقلال غير مشروط ، في حين كان بورقيبة يتبنى خط المفاوضات المرحلية ليصل الخلاف إلى إقدام المكتب السياسي على تجريد صالح بن يوسف من صفته كأمين عام للحزب بتاريخ 9 أكتوبر 1955(10) ورافق ذلك كتدعيم لخط بورقيبة هجمة إعلامية فرنسية شملت كل “الذين وقفوا إلى جانب صالح بن يوسف ونددت بزعماء المغرب العربي الموجودين ضمن لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة، ونددت بالمتطرفين من قادة الحزب الدستوري في تونس ونددت بالحزب الدستوري القديم ناعتة إياه بالتخلف و التشبث بالماضي ممثلا بالعروبة و الإسلام.”(11)
و لم يستسلم بن يوسف لذلك القرار فواصل نشاطه مستندا للوائح التنظيمية للحزب التي تجعل صلاحية اتخاذ ذلك القرار من اختصاص المؤتمر الذي بدوره لن يكون شرعيا إلا إذا تم استدعاؤه من طرف الأمين العام.
و ما كاد يحل 15 أكتوبر 1955 حتى اجتمع بالقاهرة ممثلو الأحزاب الوطنية الثلاث الممثلة في لجنة تحرير المغرب العربي و هي حزب الاستقلال عن المغرب الأقصى و جبهة التحرير الوطني عن الجزائر و الحزب الحر الدستوري الجديد عن تونس و قرروا بالإجماع فصل بورقيبة و أعضاء المكتب السياسي للحزب الدستوري من عضوية اللجنة.  كما  قرروا نقل كل صلاحيات المكتب السياسي إلى الأمين العام الشرعي للحزب صالح بن يوسف(12). و قرروا تعيين إبراهيم طوبال عضوا في لجنة تحرير المغرب العربي باعتباره نائبا لصالح بن يوسف وختمت اللجنة قرارها بالآتي: “و قد اضطرت اللجنة إلى اتخاذ هذه القرارات لحماية الحركة الاستقلالية بالمغرب العربي من التوجه الاستعماري الذي بدأ يتسرب إلى بعض القادة. و هي تؤمن أنه لا خلاص لتونس إلا بالعودة إلى الكفاح المسلح متضامنة  مع مراكش و الجزائر .”(13) ولمواجهة ذلك الالتفاف المغاربي حول طروحات جبهة التحرير الوطني وتجاوب صالح بن يوسف معها ، وسعيا منها لتحييد تونس في النزاع الدائر فقد عملت فرنسا على تعزيز اتجاه بورقيبة باستجابتها لمطلب الاستقلال السياسي لتونس في 20 مارس 1956 بمقتضى البروتوكول الموقع بين الطرفين والذي يسميه التونسيون “براءة الاستقلال” لكونه أخرج تونس من حالة الاستقلال الذاتي إلى الاستقلال ،فتأسس المجلس القومي (الوطني ) التونسي (مجلس تأسيسي) وانتخب بورقيبة رئيسا له وألف الحكومة التونسية ليتم بحلول 25 جويلية 1957 إقدام المجلس التأسيسي على عزل باي تونس (سيدي الأمين) و إعلان تونس جمهورية برئاسة بورقيبة في حين كان مصير صالح بن يوسف الاغتيال الذي تم في ألمانيا عام 1961 إبان أزمة بنزرت (*) وهو الاغتيال الذي اعترف بورقيبة بمسؤوليته في أثناء خطاب ألقاه في 15 ديسمبر 1973 بعد أن روى بالتفصيل ظروف الاغتيال قائلا أنه قلد أوسمة لمن قاموا بقتله .(14)
ومن الواضح أن فرنسا لم تكن قبل 1954 مستعدة للاستجابة لمطالب تونس و لا لمطالب المغرب الأقصى ،إلا أنه باندلاع الثورة الجزائرية أدرك الاستعمار بطبيعته أن تأمين خروجه بأقل تكاليف ممكنة وخسائر محتملة وضمانات لمستقبل مصالحه وعلاقاته في المنطقة أن ” يراهن على التناقض القائم بين حركات المقاومة وأجيال المناضلين لاسترجاع العناصر الوطنية الأقل تصلبا وتطرفا في المبادئ و الوسائل وجرها نحو مائدة المفاوضة و التعاون “(15) .
واعتقدت فرنسا أن في معالجتها للقضيتين التونسية والمغربية تحييد للشعبين المغربي و التونسي و تفاديا مؤكدا لثورة مغاربية شاملة، وهو ما يمكنها من التفرغ لما كان يجري في الجزائر من ثورة شعبية، وكان الساسة الفرنسيين (غي موليه )قد عبر عن ذلك في تصريح له بتاريخ 2 جوان 1956 بقوله : “لن يكون هناك حل مثل الحل المغربي أو التونسي للقضية الجزائرية .”
على الصعيد المغربي :
على الرغم من أن الصراع في تونس حسم في النهاية لصالح بورقيبة و النهج الذي اتبعه ،فإن التجاوب الشعبي التونسي مع القضية الجزائرية لم ينقطع وهو الأمر الذي لم يتمكن بورقيبة من وضع حد له وهو ما سنتناوله لاحقا ، قبل أن نذكر ما كان من تأثير أيضا لثورة التحرير الجزائرية على الساحة الداخلية للمغرب الأقصى ،فقد كان محمد عبد الكريم الخطابي سنة 1956 يرى أيضا أنه لا يمكن أن تنتصر الجزائر، وان تستقل، إلا إذا شملت نار الثورة كامل الشمال الإفريقي، وأزيح محمد الخامس عن عرش المغرب الأقصى، وزحزح بورقيبة عن كرسي الرئاسة بتونس، أخذت قيادة الثورة زمام الحكم بالأقطار الثلاثة .(16)
كان ذلك الموقف من الخطابي يمثل تعبيرا عن رفضه لما آلت إليه الاتصالات الفرنسية –المغربية وذلك لأنه باندلاع الثورة الجزائرية أصبحت القوات الفرنسية تتكبد يوميا خسائر فادحة ، وبدأت فكرة توحيد جبهة المقاومة المغاربية ضد العدو الواحد، تتبلور يوما بعد يوم، وهو الأمر الذي كان يمثل بالنسبة لفرنسا خطرا لا بد من تفاديه، فلجأت أمام اشتداد ضراوة المقاومة المغربية سنة 1955 بتأثير اندلاع ثورة نوفمبر إلى فتح المفاوضة فكان التجاوب مع ذلك المسعى من فرنسا التي أدركت في ظل المعطيات المحلية و الإقليمية و الدولية آنذاك،وفي ظل تبني أحد أقطاب حركة عدم الانحياز(جمال عبد الناصر ) لقضية تحرير الوطن العربي، و المساندة الكاملة لحركة التحرير في المغرب العربي وتدعيم نضالها، إذ خاطب مؤتمر باندونج بقوله :” إنني أستسمحكم في أن أعرب عن عميق تقديرنا للتأييد الكامل الذي لقيته قضايا شعوب شمال إفريقيا من جانب أعضاء المجموعة الآسيوية الإفريقية في الأمم المتحدة ، ذلك التأييد الذي كان مصدر النهوض المعنوي و الإلهام لشعوب تونس و الجزائر ومراكش في نضالها من أجل الحرية و الاستقلال .”(17)
أمام تلك المعطيات، وغيرها، أدركت فرنسا أنها أخطأت في قرارها القاضي بخلع الملك “محمد الخامس” (18)، فأقدمت على إطلاق سراحه سنة 1955 (19) وقصدت به مدينة “نيس” الفرنسية واتفقت معه على الخطوط الأولى لاستقلال المغرب عن طريق التفاوض لينتقل بعدها إلى المغرب. وتجسيدا لذلك الاتفاق عاد الملك ثانية من المغرب إلى فرنسا في مطلع سنة 1956 للتفاوض مع الفرنسيين، ذلك التفاوض الذي توج ببيان مشترك في 2 مارس 1956 أعلن بمقتضاه استقلال المملكة المغربية.
وبما أن التضامن الشعبي في المغرب الأقصى مع الثورة الجزائرية كان تضامنا غير محدود ، على مختلف الأصعدة، فإن محاولات ضرب ذلك التضامن، وتحييد الشعب المغربي لم تقتصر على الموقف الرسمي الفرنسي المتمثل في الاستجابة لمطالب القوى الوطنية المغربية في الاستقلال، بل امتدت إلى محاولات أخرى كانت لفرنسا يد فيها إلى جانب بعض القوى الاجتماعية (20) و السياسية (21)، وهذا الشأن يذكر أحمد توفيق المدني انه بناء على طلب من ” عبد الحفيظ بوصوف ” انتقل من مدريد إلى المغرب رفقة الدكتور أمين دباغين يوم 18 فيفري 1956 للاتصال برجال المقاومة وحزب الاستقلال بصفته مسؤول من الجبهة، وممثل رسمي لها لمعالجة ما كان يتلقاه ممثلو الجبهة في المغرب من ” معارضة جهات مسؤولة عليا في المغرب الأقصى “، وخلفيات ذلك أن تلك الجهات كانت ترى انه يوجد خلاف إيديولوجي بين المغرب وقادة جبهة التحرير الوطني وهو ما عبر عنه المهدي بن بركة (22) بقوله :”حول المقاصد وحول الأهداف ، وهذا الخلاف يزداد عمقا واتساعا يوما بعد يوم سببه الأساسي، أننا نسمع من الكثير من الجزائريين، بل من بعض مسؤوليهم هنا ما يفيدنا أن الجبهة تسير في طريق شيوعي، وتعمل لفائدة الشيوعية ،وان انتصارها إنما هو انتصار للمبادئ الشيوعية الهدامة التي تقوض ديننا، وقوض نظامنا، وتقضي على وحدتنا ” ويسترسل توفيق المدني بإسهاب مفرط في ذكر ما أكده لمخاطبيه من المغرب وساسته وفي مقدمتهم بن بركة، من أن الثورة الجزائرية ” ثورة إسلامية مطهرة ” و”الشعب الجزائري من أعمق شعوب الأرض إيمانا وإسلاما ” و”لسنا شيوعيين ولن نكون شيوعيين ولن تتغلغل الشيوعية في صفوفنا، كيفما كان الحال، ومهما تطور الأمر و” أنتم الطبقة المفكرة الواعية في البلاد، وعندكم حزب شيوعي لا يستهان به، ألا تعرفون موقف الحزب الشيوعي منا ؟ ألا تعرفون مقاومته لنا ؟ألا تعرفون أن الشيوعيين لم ينضموا ن إلى الجبهة –ولن ينضموا لها ؟ “و” أننا نعمل إلا في دائرة الإسلام و العروبة ، ووحدة المغرب العربي ، و في سبيل حرية الأمم واستقلالها قاطبة.” و بعد أن يذكر التوضيحات التي قدمها بحضور الدباغين الذي أكدها –كما يقول توفيق المدني- أزالت كل ريب وأقنعت مستمعيه، مما جعل بن بركة يقول “متأثرا” أؤكد لكما أنه لم يبق لنا أي خلاف معكم حول المبادئ و الأهداف، و أننا سنخبر كل رفقائنا بهذا”، بعد ذلك يحدد “توفيق المدني” المصادر التي أشاعت عن الثورة الجزائرية الطابع الشيوعي بقوله”أجريت بحثا خاصا، فتأكد لي بما لا سبيل للشك معه، أن بعضا من الجزائريين الذين جاؤوا المغرب من أجل الإثراء الخاص أو من أجل الشيخ مصالي ، و بعض الذين دستهم فرنسا على الثورة، هم الذين كانوا يشيعون عمدا تلك الشائعات المغرضة، و يتعمدون إشاعتها في الأوساط التي تمس من قريب حزب الاستقلال و المقاومة و القصر، محاولة لإفساد ما بين الثورة و بين تلك الهيئات.”
و يذكر أنه توج مهمته رفقة الدباغين بمقابلة الملك محمد الخامس بالقصر الملكي، وأكد له بأن ” المغرب كله لا فرق بين حاكم ومحكوم، ومشارك لكم في جهادكم إلى نهايته المشرفة. وإن كانت بعض الشكوك سببها تصريحات وأعمال طائشة ،قد ساورت أنفس بعض رجالنا ،فقد قشعت سحبها بارك الله فيكما ” وانتهت المقابلة بوعد من الملك بتقديم الثمن المطلوب لشراء الأسلحة ،قائلا أنه ” اشتراكا مني خاصا في الجهاد ،وقد بر بوعده ويذكر توفيق المدني ، أيضا أنه بعد لقائه بالملك عاد إلى طنجة يوم 24 فيفري 1956 ليتلقى بعلال الفاسي الذي كان في انتظاره ويقول أنني قلت له بشأن مطلبه باقتطاع جزء من الجزائر لفائدة المغرب ” ألا تؤمن بوحدة المغرب العربي ؟ ، فقال: إن تمت وحدة المغرب العربي، فلا مطالب ولا جدال، و إلا فهنالك أمور تتم بعد استقلال الجزائر مفاهمة صادقة بين أخوين واعيين ” (23).
إننا إذ نورد هذه الوثائق غايتنا من ذلك التأكيد على أن التجاوب الشعبي المغربي و التونسي مع الثورة الجزائرية كان يمثل سلاحا حاسما في مسار الثورة الجزائرية فأدركت فرنسا ذلك وعملت ما في وسعها لإجهاض ذلك التضامن الذي أصبح وسيلة ضغط على السلطتين الرسميتين في تونس و المغرب اللتين أصبحتا عاجزتين عن التحكم في الموقف الشعبي، مما أضطرهما إلى التجاوب، ولو قسرا، مع مطالب الجبهة وتأييدها دبلوماسيا ودعمها ماديا.
وقد انعكس تصاعد الثورة الجزائرية على الوجود العسكري في القطرين المجاورين مما صعب من محاولة فرنسا الإبقاء على قواعد عسكرية لها في القطرين، فقد كان لاستمرار الثورة الجزائرية أثره المباشرة على التواجد العسكري الفرنسي وأدى إلى الإجلاء التدريجي للقوات الفرنسية من تونس و المغرب .
وبذلك فإن التضامن الشعبي  المغربي و التونسي مع الثورة الجزائرية كان أقوى من كل المحاولات الساعية إلى ضربه، وهو ما نتناول بعض جوانبه في النقطة الموالية.

ثانيا : التضامن الشعبي المغاربي مع الثورة الجزائرية
إذا كانت الحركات الوطنية المغاربية لم تتمكن لجملة من المعطيات ، كما ذكرنا ،من الالتحام ببعضها البعض وتعميم العمل الثوري على مستوى منطقة المغرب العربي، خاصة بعد تخلي المقاومة المغربية عن التزامها بعدم وضع الأسلحة إلى غاية استقلال الجزائر وفشل صالح بن يوسف في مواجهة بورقيبة، فإن ذلك لم يحل دون مواصلة التنسيق والتضامن، اللذين فرضهما التفاعل الشعبي في كل من تونس والمغرب وليبيا مع الثورة الجزائرية، بقيادة جبهة التحرير الوطني التي أعلنت منذ انطلاقها عن بعدها المغاربي إذ جاء في بيان ميلاد الجبهة ” بيان أول نوفمبر ” بعد التأكيد على وحدة الشعب الجزائري حول قضية الاستقلال أن ” أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد .فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحريري في شمال إفريقيا ” وعن عدم تحقيق الوحدة  المغاربية في العمل يسجل البيان أسف الجبهة على عدم تجسيد ذلك المطلب، الذي كان التيار الاستقلالي في الحركة الوطنية سباقا للدعوة له، بنصه التالي : ” …ومما يلاحظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل.هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقق أبدا بين الأقطار الثلاثة.”مضيفا تشخيصه الوضعية على الصعيد الجزائري، في ظل اندلاع المقاومة في تونس و المغرب، بنصه “…إن كل واحد منها قد اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث ” وهو الوضع الذي يدعو بيان أول نوفمبر الشعب الجزائري للخروج منها ، وعند تحديده لأهداف الثورة الجزائرية ، فإنه يضع من ضمن أهدافها الخارجية هدفا أساسيا “تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي الإسلامي “(24) وبذلك فإن جبهة التحرير الوطني أكدت وفاءها للمبدأ الأساسي الذي قام عليه التيار الاستقلالي منذ 1926و الذي ربط مبدأ الوحدة الاستقلال لأقطار المغرب العربي، وهو المبدأ الذي استمرت جبهة التحرير متبنية له ،إذ انه بعد مرور بضعة شهور على اندلاع الثورة، عادت الجبهة لتؤكد (في ماي 1955)على تمسكها بالوحدة المغاربية بتأكيدها على ما يلي:”إن الحقائق الثقافية و الاقتصادية و التاريخية تجعل ثورة شمال إفريقيا ثورة واحدة من الناحيتين الإيديولوجية و السياسية .لقد كانت الحركات في الجزائر وتونس ومراكش تعبيرا عن قومية شمال إفريقيا ،وليست تعبيرا عن ثلاث قوميات متميزة ، وسوف تسعى الثورة الجزائرية إلى تحقيق الوحدة ضد سياسة فرنسا في شمال إفريقيا ،سياسة التفاوض مع تونس حتى يسهل قمع الجزائر “(25) وإذا كانت التطورات التي حصلت خلال سنتي 1955-1956على صعيد كل من تونس و المغرب، والتي تناولناها جزئيا في المبحث السابق، كرست الاتجاه القطري في المغرب العربي ، فإن جبهة التحرير الوطني ظلت وفية لطرحها المغاربي، ولم تثنها تلك التطورات الحاصلة في القطرين المتجاورين عن التمسك ببعدها الوحدوي الذي عبر عنه خلال الاتصالات السرية بين الجبهة والحكومة الفرنسية، ففي هذا الصدد يذكر أنه في 12 أفريل1956 تم لقاء في القاهرة بين السيدين” جوزيف بيقارا” النائب الاشتراكي و”جورج قورس” عن الجانب الفرنسي” ومحمد خيضر ” عن الجبهة وعرض “بيقارا” على” خيضر” ما عرف بـ” مثلث غي مول(26)” ويتمثل في إيقاف القتال، ثم إجراء الانتخابات، ثم المفاوضات مع النواب المنتخبين حول دستور الجزائر المقبل، فكان اقتراح خيضر تكوين دولة جزائرية تدخل في إتحاد فيدرالي مع تونس و المغرب الأقصى(27) .
و كان ذلك الاقتراح من خيضر تأكيدا لما جاء في بيان الفاتح نوفمبر 1954 وظلت جبهة التحرير وفية لذلك الطرح إذ أنها عند انعقاد مؤتمر الصومام و مصادقته على أرضية ” المنهاج السياسي و العسكري للثورة الجزائرية” أكدت من جديد تمسكها بالعمل المغاربي، إذ تضمنت وثيقة الصومام التأكيد على وجوب القيام في الشمال الإفريقي بما يلي:
1) تنسيق السعي الحكومي في البلدين الشقيقين للضغط على الحكومة الفرنسية في الميدان الدبلوماسي.
2) توحيد النشاط السياسي بإنشاء لجنة تنسيق بين الأحزاب الوطنية الشقيقة و جبهة التحرير الوطني” وقد دعا مؤتمر الصومام إلى ذلك بعد أن نوه بموقف الشعبين التونسي و المغربي بنصه التالي:”..ومن جهة أخرى فإن حكومتي تونس و المغرب قد وقفنا- بفضل ضغط الشعبين الشقيقين- موقفا صريحا من هذه المشكلة التي يرتهن بها التوازن في شمال إفريقيا ” و لم تفتأ جبهة التحرير الوطني تؤكد على مغاربية الثورة الجزائرية من خلال ما كانت تنشره” المجاهد” من مقالات حول موضوع الوحدة المغاربية كوحدة طبيعية و بشرية، وهو نفس الموقف الذي كانت تعلنه جبهة التحرير الوطني من خلال أجهزة الإعلام و الدعاية الموزعة بين الجزائر وتونس و المغرب و القاهرة، فعلى سبيل المثال كانت الإذاعة الجزائرية قد بدأت تبث برامجها من تونس عام1956 (28) و كانت البداية عبارة عن برنامج تونسي يذاع ثلاث في الأسبوع بعنوان :” هنا الجزائر المجاهدة الشقيقة” وظل ذلك البرنامج يِبث من تونس حتى بعد إنشاء الإذاعة السرية في قلب الجزائر العاصمة عام 1957(29) وتمكنت جبهة التحرير الوطني من توظيف أجهزتها الإعلامية توظيفا ناجحا و فعلا فكانت وسيلتها المثلى لتنوير الرأي العام المغربي بطبيعة الثورة الجزائرية و حقيقة الصراع و بالتالي كسب أحرار العالم ومثقفيه و العديد من ساسة للوقوف إلى جانب الثورة التي تمكنت من كسب تأييد و مساندة الأحرار الفرنسيين من كٌتاب وصحفيين ومثقفين. كما كانت وسائل إعلام الجبهة على الصعيد المحلي و المغاربي و العربي تلعب دورا تعبويا للجماهير التي كانت تتلهف لمطاعة و سماع ما تكتبه و تبثه وسائل إعلام و دعاية الجبهة من أخبار عسكرية، و كذا التطورات الدبلوماسية و السياسية التي عرفتها القضية الجزائرية.
و على الرغم من أن فرنسا كانت أمام عجزها عن مواجهة الموقف في شمال إفريقيا تجاوبت مع مطالب تونس و المغرب و كذا ليبيا (30) لتحييدهم في الصراع ( الحرب الدائرة في المنطقة) أملا في الاحتفاظ بالجزائر، فإن جبهة التحرير الوطني التي صار لها سنة 1956 نفوذها الخاص في كل من تونس و المغرب(31) أعلنت عند عقدها لمؤتمر الصومام قائلة:” الواقع أنه بدون استقلال الجزائر، يكون استقلال تونس و مراكش و هما.”
و أمام ما آلت إليه حالة الحرب من شراسة، و تجاوز التضامن الشعبي في كل من المغرب و تونس مع القضية الجزائرية لسلطات البلدين، فإن بورقيبة و الملك محمد الخامس كانا يسعيان للتوسط بين الثوار الجزائريين و فرنسا لإيجاد حل للقضية الجزائرية وبعد اتصالات بمسؤولين فرنسيين اعتقد محمد الخامس و بورقيبة أن فرنسا أبدت بعض الرغبة في عقد لقاء ثلاثي يجمع الملك محمد الخامس و الرئيس بورقيبة و الزعماء الجزائريين لضبط مطالب تُقدم إلى السلطات الفرنسية و رضيت بتنظيم ذلك الاجتماع (32) و هو ما جعل الزعماء الجزائريين محمد بوضياف و أحمد بن بلة و محمد خيضر و حسين آيت أحمد، و مصطفى الأشرف المكونين لوفد جبهة التحرير الوطني يلتقون بالمغرب و يتشاورون مع الملك محمد الخامس، قبل أن ينتقلوا إلى تونس حيث كان من المقرر أن يعقد لقاء ثلاثي وفد جبهة التحرير الوطني و الحكومتين التونسية و المغربية لبحث وتوحيد الموقف بين الأطراف الثلاثة.
وما كاد موعد لقاء تونس يحين حتى استقل وفد جبهة التحرير الوطني الطائرة المتوجهة من المغرب إلى تونس بتاريخ 22 أكتوبر 1956، وهي الرحلة التي لم ترد إرادة الإدارة الاستعمارية أن تتم إذ تصدت طائرات حربية فرنسية للطائرة المقلة للوفد و أجبرتها على الاتجاه صوب الجزائر و الهبوط في مطار الجزائر العاصمة،  وتم إلقاء القبض على ممثلي الجبهة وإيداعهم السجن.
وأمام تلك القرصنة الفرنسية، فإن الحكومتين التونسية و المغربية احتجتا ضد تلك العملية وأقدمت تونس على سحب سفيرها من باريس و اعتبرت مراكش عمل فرنسا موجها ضد سيادتها وكرامتها .وشكلت لجنة دولية من ايطاليا وبلجيكا ولبنان ومراكش وفرنسا للنظر في ” شرعية” الخطف. ولم تسفر أعمال تلك اللجنة عن أية نتيجة لانحياز بلجيكا وإيطاليا للموقف الفرنسي (33) .
وإذا كانت فرنسا قد تمكنت من عرقلة ندوة تونس المغاربية بقرصنتها للطائرة المقلة للوفد الجزائري، فإن ذلك زاد من تضامن شعبي القطرين التونسي والمغربي مع الثورة الجزائرية، وتضاعفت الاتصالات بين قيادات الحركات الوطنية المغاربية التي ظلت متمسكة بمواصلة التنسيق و التشاور، وتعزيز التضامن الشعبي مع الثورة الجزائرية، وأعلنت لجنة التنسيق و التنفيذ إثر اجتماعها بتونس من 25 إلى 29 أكتوبر 1957 ، أنها ترغب في تعدد اللقاءات بينها و بين الحكومتين التونسية و المغربية و تعرب عن أمنيتها في تنظيم مؤتمر بين الأقطار المغربية الثلاثة لبحث خطة موحدة لحصول الجزائر على استقلالها .ومما جاء في تصريح لجنة التنسيق و التنفيذ “…ووعيا بخطورة الحرب وتأثيراتها الحقيقية على الشعبين الشقيقين في تونس و المغرب، فإن لجنة التنسيق و التنفيذ تتقدم بكل شكروإجلال لحكومة كل من تونس و المغرب على مساعيها الرامية إلى إيجاد حل سلمي “مضيفة ” غير أنها تأسف بأن كل هذه الجهود تنتهي دوما بالفشل لتجاهل وتعنت وتكالب الحكومات الفرنسية المستمرة في الاعتداءات البربرية و القرصنة المتمادية في خرق الحرمة و القوانين الإنسانية الدولية المحضة.”
وعن مستقبل العلاقات المغاربية ووجوب اللقاءات بين جبهة التحرير و الحكومتين المغربية و التونسية فقد جاء في التصريح:” كما أن لجنة التنسيق و التنفيذ التي لا تقلل من خطورة الإمبريالية الفرنسية تجاه كل شمال إفريقيا، ترغب في تعدد اللقاءات بينها و بين الحكومتين التونسية و المغربية و تعرب عن أمنيتها في تنظيم مؤتمر بين الأقطار المغربية الثلاثة لبحث خطة موحدة لحصول الجزائر على استقلالها.”(34)
التفاعل الرسمي و الشعبي لليبيا مع القضية الجزائرية:
وإذا كنا تكلمنا عن تفاعل الشعبين المغربي والتونسي مع الثورة الجزائرية وانعكاسات ذلك على قيادتي القطرين، فإن الشعب الليبي وحكومته لم يكونا بعيدين عن التأثير في ساحة المعركة، إذ اعتبر الليبيون الجهاد القائم في الجزائر جهادهم وقضية الجزائر قضيتهم ،فإلى جانب التضامن الشعبي (العملي ) مع القضية الجزائرية (35)كان الموقف الرسمي الليبي من الثورة الجزائرية موقفا مؤيدا دون تحفظ، وقد سجل أحمد توفيق المدني الموقف الرسمي الليبي من الثورة الجزائرية على لسان الملك :إدريس السنوسي، بعد لقائه به كموفد من جبهة التحرير الوطني يوم 13 جوان 1956مرفوقا بالدكتور محمد أمين الدباغين ،إذ يذكر توفيق المدني أنه تلقى الأجوبة التالية من الملك :
– أولا: إن الجهاد في الجزائر جهاد جزائري بل هو جهاد إسلامي عام فمن كان مستطيعا ولم يشارك فيه، فقد خان الله ورسوله.
– ثانيا:إن ليبيا ملكا وحكومة وشعبا، لا تؤيد الكفاح التحريري الجزائري فقط بل هي تشترك فيه روحا وبدنا، ولو أن ثورتكم فتحت أبوابها لقبول المتطوعين، لرأيتم أن الرجال ليبيا ربما فاق عددهم في جيش التحرير عدد الجزائريين.
– ثالثا: إن الرئيس مصطفى ابن حليم (رئيس الحكومة الليبية )قد أطلعه على تفاصيل مذكراتنا معه، واتفاقنا في قضية المطارات ومرور السلاح، وقال:”اعتبروا المطارات بين أيديكم الآن، فمتى أتم الأخصائيون المصريون إصلاحها فهي مطارات جزائرية وما علينا إن عملت فرنسا بذلك أما السلاح الجزائري فقد أصدرت أري لقائد الجيش وهو أصدر أمره لقائد الحدود بان يدخل حرا طليقا لا يعترض عليه معترض، وانتم خذوا حذركم كي لا يطلع على ذلك ما هو موجود من جواسيس مختفين عندنا “.
– رابعا: اعتبروا حكومة ليبيا حكومتكم الخاصة، وما طلبتموها في إعانة في سعي، إلا قامت به وبأمر مني، بكل سرعة وبأكثر ما لدينا من قوة ومن جهد. و ما أردتم أن تتوسط لكم في الشراء سلاح، أو في مسعى سياسي أو دبلوماسي إلا كانت مستجيبة لكم فورا(36) و أكدت الأحداث اللاحقة لذلك اللقاء وفاء ملك ليبيا بالتزاماته، إذ كانت الموانئ و المطارات و الطرقات الليبية منافذ آمان للجزائريين.
واستقبلت ليبيا بعض دورات المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كما كانت ملتقى لقيادات تنظيمات جبهة التحرير الوطني.
وإذا كانت الأراضي الليبية مهمة للثورة الجزائرية من الناحية “اللوجستيكية “فإن المغرب وتونس باعتباريهما بلدين مجاورين وحدودهما مشتركة مع الجزائر كانت أهميتهما أكبر، وهو ما اتضح أكثر منذ سنة 1956 وهي السنة التي تم فيها إعلان استقلال المغرب وتونس، وهو الحدث الذي صاحبه تصعيد في العمل المسلح في الجزائر من الطرفين الفرنسي و الجزائري، مما أكد عمق العلاقة بين أبناء المغرب العربي إذ بدأت أفواج اللاجئين الجزائريين تتجه نحو حدود البلدين وتجد الاستقبال الإخوة من أبناء المغرب وتونس اللذين سمحت سلطات بلديهما للثوار الجزائريين باستعمال الحدود كقاعدة خلفية لتمرير الأسلحة و المؤونة وللهجوم على القوات الفرنسية في وقت كانت فيه القوات الفرنسية مازالت رابطة بالقطرين(37).وحتى وإن ظلت العلاقات بين جبهة التحرير الوطني وسلطات المغرب وتونس تعرف مع الثورة المحطات بعض التوترات ،فإن التضامن الشعبي في كل من المغرب وتونس مع الثورة الجزائرية كان صمام الأمان الدائم لتأمين استمرار التفاعل بين مختلف الأطراف ،فضلا عن الدور الذي لعبته القيادات الحزبية في القطرين من سعي وضغط لفائدة القضية الجزائرية، وفي مقابل ذلك التنسيق بين الحركات المغاربية والتضامن الشعبي مع الثورة الجزائرية كانت أحوال فرنسا تزداد سوءا، ففضلا عن الأزمات الحكومية التي صارت فرنسا عرضة لها خاصة منذ اندلاع الثورة الجزائرية ،فإن الشرخ أصبح يهدد الوحدة العسكرية للجيش الفرنسي وانضباطه ،إذ عرف الجيش الفرنسي في الجزائر تمرد بعض قادته الذين أرادوا توسيع رقعة الحرب إلى الأراضي التونسية ،اعتقادا منهم بأن ذلك يمكنهم من الحيلولة دون التضامن المغاربي و السيطرة الفعلية على الجزائر بإجبار المغرب و تونس على طرد الثوار الجزائريين (38)من الحدود،وتنفيذا لذلك ودون الحصول على ” موفقة الحكومة الفرنسية ، قام الجيش الفرنسي يوم 8 فيفري 1958بشن هجوم جوي على ساقية سيدي يوسف التونسية نتج عنه قتل ما لا يقل عن 75 شخص وإصابة 108 شخص بجروح ” (39) وقابل بورقيبة ذلك
الاعتداء بطلب السلاح من الولايات المتحدة وبريطانيا للدفاع عن سيادة بلاده ملمحا بالتوجه إلى الكتلة الاشتراكية للحصول على الأسلحة في محاولة منه للضغط على المعسكر الغربي ليضغط على بدوره على فرنسا ، وأمام ذلك الحادث سعت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للتوسط بين تونس وفرنسا للوصول إلى تسوية سلمية، وكانت مطالب تونس إجلاء القوات الفرنسية الباقية قي تونس ولم ترض اقتراحات الأمريكان و الإنجليز بتجميع جزء من القوات الفرنسية في بنزرت و القيام بانسحاب جزئي لباقي القوات لا المعمرين ولا البرلمان الفرنسي وكانت نتيجة موافقة الحكومة الفرنسية برئاسة ” لاغايار” على اقتراحات الأمريكان و الإنجليز أن سقطت الحكومة الفرنسية يوم 15 افر يل 1958 (40) .أما لسان حال جبهة التحرير الوطني “المجاهد ” فإنها رأت في اعتداء ساقية سيدي يوسف أنه يمثل حلقة في سلسة من المؤامرات، فقد كتبت تقول:”..مساومات ومناورات دبلوماسية لشق الوحدة المغربية، وتهديدات ثم عدوان وحشي سافر على قرية الساقية بعد العديد من الحوادث على الحدود، كل ذلك قامت به فرنسا لعزل الجزائر عن شقيقتها وإجبار تونس على أن تتخلى عن تضامنها مع الجزائر.”(41)
و الواقع أنه كان واضحا، بعد قرابة أربع سنوات من اندلاع الثورة التحريرية،و الأحداث التي عرفتها المنطقة المغربية من جراء الثورة (42)،و التفاعل و التضامن الذي أبدته الشعوب المغربية والعربية مع الثورة الجزائرية، والمواقف الايجابية التي سجلت على  صعيد المنظمات الإقليمية و الدولية لفائدة مطالب جبهة التحرير الوطني ..كان واضحا من كل ذلك أنه لا يمكن الحديث عن الاستقرار في منطقة المغرب العربي ما لم يتحقق ما نادت به جبهة التحرير الوطني من استقلال الجزائر.
ولما كانت السلطتان الرسميتان في المغرب وتونس مدركتين لتلك الحقيقة، فإن جهود الرئيس بورقيبة والملك محمد الخامس في اتجاه إيجاد حل للقضية الجزائرية لم تتوقف، إن كانت تصطدم بالراديكالية المميزة لمواقف قيادة الجبهة المستندة لطبيعة الثورة كثورة شعبية على الصعيد الدولي، و التضامن المطلق للمغاربة و التونسيين و الليبيين، وكذا الدعم العربي المشرقي شعبيا ورسميا، وللمواقف الايجابية للقوى التقدمية و التحررية في العالم وهو ما كان العربي بن مهيدي عبر عنه منذ 1956حين حدد الأهداف الجوهرية للثورة التي قال بشأنها أن :”الشعب الجزائري يعتمد في كفاحه من أجل التحرر و الرقي على مساندة شعوب المغرب العربي الشقيقة وعلى التضامن الفعال لجميع لعرب وعلى صداقة الشعوب الأفروآسيوية وعلى تعاطف الشعب الفرنسي والديمقراطيين في العالم.  مضيفا بقوله:”إن انتصار شعوب المغرب العربي ذلك الانتصار الذي يضمن المساواة بين جميع ّأبنائها بدون تمييز يعد عاملا قويا للتوازن و السلم في حوض البحر الأبيض المتوسط.”(43)
و الملاحظ أن جبهة التحرير الوطني حددت حلفاءها الطبيعيين منذ الفاتح من نوفمبر 1954، وهو ما أكدته الأحداث المتلاحقة على مختلف الأصعدة الجهوية و الإقليمية و الدولية ، وكان أن تعزز موقف جبهة التحرير الوطني بحلول سنة 1958 بموقف إفريقي ، إثر مشاركتها في شهر أفريل 1958 في مؤتمر الدول الإفريقية الحرة في “أكرا ” عاصمة غانا وتلقت خلال ذلك المؤتمر التأييد الإفريقي دبلوماسيا وشعبيا للاستقلال الجزائر، بل أن الدول المشاركة في ذلك المؤتمر قررت “تأليف وفد إفريقي متنقل للدعاية لقضية الجزائر.”ا(44)هذه القضية التي كان لتطوراتها تأثيرها الواضح في تسليم القوى الاستعمارية في القارتين الإفريقية و الآسيوية بأن ساعة تحرر الشعوب قد حانت، وان الشعوب المستعمرة أصبحت ترى في الثورة الجزائرية النموذج التحرري الواجب الإتباع وهو ما جعل القوى الاستعمارية تدرك ضرورة إيجاد حلول لشعوب مستعمراتها بما يضمن استمرارها تابعة لها اقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا .
في ظل تلك المعطيات الجهوية و الإقليمية و الدولية ،وفي ظل التعاطف الجهوي و الإقليمي و الدولي مع القضية الجزائرية ،وفي ظل المكتسبات الميدانية للتضامن المغاربي كانت التحضيرات جارية لحدث مغاربي كان له صدى واسعا ،إنه مؤتمر طنجة (45) فماذا عن هذا المؤتمر ؟ذالك ما سنتناوله في النقطة الموالية .

       ثالثا:  ندوة طنجة 1958
– الفرصة الضائعة للوحدة المغاربية :
إذا كانت الاتصالات و اللقاءات (46) بين ممثلي جبهة التحرير الوطني، وقادة ومناضلي حزب الاستقلال المغربي،و الحزب الدستوري الحر، ظلت متواصلة ،فإن تنظيم لقاء مع حكومتي القطرين، وإعادة التأكيد على مسألة الوحدة المغاربية، كانت من الانشغالات الملحة لجبهة التحرير الوطني والتي لن تتيسر الظروف لتجسيدها نتيجة للضغوط الفرنسية التي حالت دون تنظيم اللقاء الذي كان مقررا بين الجبهة و الحكومتين المغربية و التونسية بإقدامها (أي فرنسا ) على اختطاف طائرة الزعماء الخمس ..ولذلك فإن الجبهة حتى وإن لم تتمكن من تحقيق ما دعت إليه لجنة التنسيق و التنفيذ في شهر أكتوبر سنة 1957 من ضرورة عقد لقاء مع الحكومتين التونسية والمغربية لبحث خطة موحدة لحصول الجزائر على استقلالها، فإنها (أي الجبهة ) لم تكف عن الدعوة لذلك، وفي الشهر الموالي (21 نوفمبر 1957 ) أبدى الرئيس بورقيبة اقتناعه الدائم بان أحسن تسوية للقضية الجزائرية لا تكون إلا في إطار ” مجموعة فرنسية –شمال إفريقية” وبع لقائه بالملك محمد الخامس في الرباط، جاء في البلاغ النهائي اقتراحيهما لفرنسا وجبهة التحرير الوطني ضرورة اللقاء، ووجهها ناء للجانبين “ألحا فيه على الطرفين ليشرعا في مفاوضات تنتهي بحل عادل يؤدي إلى تجسيد سيادة الشعب الجزائري طبقا لمبادئ الأمم المتحدة وكذا حماية المصالح
الشرعية لفرنسا وأتباعها ” ورأت جبهة التحرير الوطني في البيان أنه ” مبهم جدا ” فحددت ذلك بقولها:” نعم لتجسيد السيادة إذا كانت تعني الاستقلال ، لا “إذا كانت تسجل في التراجع Si elle s’inscrit en retrait”.(47)
وكان من شأن ذلك الموقف من جبهة التحرير أن يزيد من تعميق الهوة بين الجبهة والسلطتين المغربية و التونسية. وكانت المبادرة من حزب الاستقلال المغربي الذي جاء في مقررات لجنته التنفيذية إثر اجتماعها في مدينة طنجة بتاريخ 2 مارس 1958 توصية اتحاد حقيقي وفقا للمطامح الصحيحة لجميع شعوب المغرب العربي ” (48)
وتنفيذا لذلك أوفد حزب الاستقلال بتاريخ 17 مارس السيدين بوبكر القادري و الدكتور بناني إلى تونس لإعداد مع قادة الحزب الدستوري برنامج عمل المؤتمر..وتم بتونس تنظيم عدة اجتماعات بين طرفين من 19 إلى 22 مارس ، تقرر خلالها عقد مؤتمر طنجة بمشاركة جبهة التحرير الوطني… وتوجه السيدان المحجوب بن الصديق وعبد الرحمن اليوسفي إلى القاهرة للقيام باتصال مع جبهة التحرير الوطني(49).
أ- عقد ندوة طنجة:
بحلول شهر أفريل 1958 كانت الاتصالات و المشاورات بين الحركات الثلاث قد أسفرت على اتفاق بعقد مؤتمر، وهو المؤتمر الذي عرف بندوة طنجة و التي عقدت بقصر “مارشال ” من 27 إلى 30 أفريل 1958 (50) بمدينة طنجة المغربية، تحت رئاسة السيد علال الفاسي، وجمعت “إلى جانب حزب الاستقلال المغربي، حزب الدستور الجديد وجبهة التحرير الوطني، وكانت قائمة المشاركين في الوفود الثلاثة كما يلي:
– عن تونس: الباهي الأدغم، الطيب مهيري، عبد الله فرحات، عبد المجيد شاكر، أحمد تليلي وعلي البهلوان.
– عن الجزائر: فرحات عباس، عبد الحميد مهري، عبد الحفيظ بوصوف، أحمد فرنسيس، أحمد بومنجل ورشيد قايد.
– عن المغرب: علال الفاسي، أحمد بلافريج، عبد الرحيم بوعبيد، المهدي بن بركة،  بوبكر القادري ،محجوب بن صديق و الفقيه البصري .(51)
ب- قرارات ندوة طنجة:
كانت القرارات العلنية التي  صادق عليها المؤتمرون تتمثل فيما يلي:
– إقرار مبدأ تقديم مساعدة مالية للجزائر في حربها (52)
– قرار حول حرب الجزائر تم التأكيد فيه على ” حق الشعب الجزائري الثابت في السيادة الاستقلال، بوصفه الشرط الوحيد لفض النزاع الفرنسي الجزائري، هكذا اعترف المؤتمر بصيغة جديدة للشرط السابق على المفاوضة وهو ما كانت تصر عليه الجبهة. وأكثر من هذا فإن المؤتمر يقرر أن الأحزاب السياسية المغاربية ستأتي (كذا )وتعمل على أن تقوم شعوبها وحكوماتها بالتأييد الكامل للشعب الجزائري الذي يحارب من اجل استقلاله ” (53)
– قرار حول الإعانة التي تمد بها بعض الدول الغربية فرنسا لمجابهة حرب الجزائر، والذي وجه فيه نداء “إلى الدول الغربية كي تكف عن مساندة فرنسا في حربها ضد الشعب الجزائري ” مشيرا إلى شعوب المنطقة ” واستيائها من ذلك الدعم الذي تتلقاه فرنسا من قوات الحلف الأطلسي، والذي يمثل دليلا واضحا على شعبية الثورة الجزائرية وقدرتها على التعبئة و التصدي “فإن شعوب المغرب العربي… تستنكر هذا الموقف الذي سيؤدي حتما إلى معاداة هذه الشعوب بصفة نهائية لتلك الدول “(54).وعبر القرار عن الأمل في أن تعدل هذه الدول عن تلك السياسة التي تسبب كارثة للسلام و التعاون الدوليين .
– قرار حول  تصفية الاستعمار في المغرب العربي : فهو مرتبط كلية بالظاهرة الاستعمارية في الجزائر ،وواقع الثورة …فتمت المطالبة بإلحاح على “أن تكف القوات الفرنسية حالا عن استعمال التراب المغربي و التونسي كقاعدة للعدوان ضد الشعب الجزائري “(55).
– قرار حول الوحدة: حدد الشكل الوحدوي و المؤسسات الوحدوية كما يلي:
1- اختيار الشكل الفيدرالي كإطار لوحدة المغرب العربي على أن يتم إنشاء المؤسسات الفدرالية في اجتماعات قمة لاحقة (56).
– إنشاء جمعية استشارية (57) تأسيسية، تخص بالنظر في مسائل المصلحة المشتركة ثم تقديم توصيات للأجهزة الأخرى لاتحاد المغرب العربي.
3- إنشاء سكرتارية (أمانة عامة ) دائمة متكونة من ستة أعضاء (عضوين لكل دولة ) تقوم بتنفيذ قرارات الأجهزة الأخرى (58) وللسكرتارية مكتبان، أحدهما في الرباط و الأخرى في مدينة تونس، وعينت الجبهة اثنين من الزعماء السابقين في حزب ” الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ” وهما ” أحمد بومنجل ” واحمد فرنسيس ” لتمثليهما في السكرتارية (59) وهو ما جسده مؤتمر المهدية بتونس كما سنبين لاحقا.
كما اتفق المؤتمرون على ما يلي:
-عقد لقاءات دورية بين قادة البلدان الثلاثة في كل مرة تقتضي الضرورة ذلك للتشاور و التأكد من تطبيق توصيات الجمعية الاستشارية –التأسيسية.
– اعتبار الوحدة المغاربية مشروطة باستقلال الجزائر ومساعدة هذه الأخيرة في كفاحها ضد المستعمر.(60)
ومن توصيات المؤتمر أيضا:
-إجراء مشاورات مع حكومتي تونس ومراكش لإقامة ” حكومة جزائرية”(61)، وبشأن هذا القرار يذكر أيضا الدكتور يحي بوعزيز قوله أنه تم الاتفاق على: تأليف حكومة مؤقتة جزائرية بالمنفى في الوقت المناسب، والتزم الأشقاء بالاعتراف بها و كسب اعترافات أخرى من دول العالم.(62)
– أوصت الأحزاب المشاركة حكوماتها بألا تربط- على انفراد- مصير شمال إفريقيا في حقل العلاقات الخارجية و الدفاع إلى أن تتم إقامة النظم الاتحادية و رفعت قرارات المؤتمر إلى كل من الملك محمد الخامس و إدريس السنوسي ملك ليبيا، و الحبيب بورقيبة.
و قبل أن نتناول الموقف من تلك القرارات وردود الفعل و المصير الذي آلت إليه، نرى ضرورة التعرف على ما ساد المؤتمر من جو ساعد على الوصول إلى اتفاق على تلك القرارات الجريئة في تلك المرحلة الحاسمة.
لقد قال رئيس المؤتمر علال الفاسي:” إن الفضل يعود للثوار الجزائريين لقد كان ثباتهم في الكفاح خير باعث للحقيقة المغربية من موقدها “.
أما الباهي الأدغم مما جاء في كلمته قوله:” أيها السادة، لهذا المؤتمر إمكانيات كثيرة إذ جمع بين حركات تحريرية قوية مناضلة تعبر عن عزم شعوبنا على توحيد المغرب العربي… شعوب تعد بالملايين لها بأس وقوة وتجارب في الكفاح”،أما ممثل جبهة التحير الوطني (مهري )فقد ذكر:”أن مؤتمر وحدة المغرب العربي ليعد حدا فاصلا بين المرحلة التي كان الاستعمار الفرنسي يواجه المغرب العربي الموحد الكتلة المتراصة التي تمثل ثلاثين مليون من المكافحين الذين يردون الحرية لأنفسهم كما يريدون الحرية لغيرهم من الإنسانية جمعاء.” مضيفا:” إن وحدة المغرب العربي ضرورة ملحة لاتخاذ الوسائل الناجعة للتخلص في الجزائر من الاستعمار الفرنسي وهي أيضا ضرورة للقضاء على ما تبقى من مظاهر السيطرة الاستعمارية في الأقطار الشقيقة:(63)
ولا تمكن أهمية طنجة فيما انبثق عنه من قرارات وتوصيات فحسب، بل من خلال ما ساده من تحليل للأوضاع في المغرب العربي (64) واتفاق في الرؤية إذ شرحت جبهة التحرير الظروف العسيرة التي تكتنف المقاومين بالقرب من الحدود المغربية جراء وجود قوات فرنسية مرابطة هناك تضيق الخناق على الجزائريين دون أن يستطيع جيش التحرير مقاتلتهم في أرض المغرب احتراما للسيادة المغربية، وكان موقف ممثلي المغرب الأقصى مؤيدا لذلك الطرح منطلقا من الإلحاح على توضيح وضعية المغرب الذي كانت أراضيه ما تزال محتلة من طرف ثلاثة جيوش أجنبية: وهي الجيش الفرنسي و الجيش الاسباني و القوات الأمريكية، والتقى ذلك التحليل بانشغال التونسيين أيضا بمسألة الوجود العسكري الفرنسي في الأراضي التونسية مطالبين بجلائها.
وكانت الانشغالات المعبر عنها في جلسات المؤتمر و القرارات المنبثقة عنه قد أعطت الصحافة العالمية صورة وفية عن مدى تلاحم الأقطار المغاربية الثلاث وهو ما عكسته الصحافة العالمية، بما فيها الفرنسية.
ج- تعاليق الصحف حول المؤتمر: 
إذا كان اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني “المجاهد ” كتبت عن نتائج مؤتمر طنجة تقول:” كان مؤتمر طنجة من الأهمية ما يسمح لنا بتقدير مدى التحكم في سير حربنا الاستقلالية في الميدان السياسي و الدبلوماسي، وكذلك فيما يخص مكانة جبهة التحرير الوطني في ميدان العمل. إن الاتحاد الذي تقرر في طنجة ليس ثمرة رغبة أبداها رئيسا دولتين ولجنة التنسيق و التنفيذ وإنما هو بالخصوص تجسيد لإدارة 25 مليون من المغاربة يقفون واضعين إلى جاني الجزائر المكافحة أمام الاستعمار الفرنسي سدا للدفاع، بمساندتهم للشعب الجزائري مساندة كاملة “.(65) وكانت نفس الصحيفة أكدت في شهر أفريل 1958 على أن فكرة الوحدة المغاربية تجد أصالتها في تاريخنا المجيد الذي جسدها في مجموعة محطات عظيمة، مثلما قام به المرابطون وخاصة الموحدون، فبفكرة الوحدة المغاربية، التي هي أساسية مثل الاستقلال، انطلق النضال الوطني في المغرب المعاصر ما بين الحربين.(66)
إذا كان ذلك موقف المجاهد فإن الصحافة العالمية، لم تختلف عن تحليل صحافة جبهة التحرير الوطني لأبعاد المؤتمر ونتائجه، إذ علقت جريدة ” الحياة ” البيروتية الصادرة في أول ماي 1958 في افتتاحيتها بقولها:” إن القرارات التي صدرت عن المؤتمر يمكن أن تكون شبه رسمية لكون المشاركين فيه هم من جهة حزبين في يدهما الحكم في المغرب وتونس ومن جهة أخرى هيئة تقود الثورة الجزائرية… ومقررات المغرب العربي تساندها وتقويها مقررات أكرا بعد المصادقة عليها فإن كثيرا من المسائل المتعلقة الآن بموقف فرنسا ومن جهة أخرى بموقف الولايات المتحدة وحلفائها ومهما يكن من أمر فقد ساء فرنسا انعقاد مؤتمر طنجة كما يظهر.
وكانت الصحافة الفرنسية أكثر عمقا في التحليل وقراءة للنتائج، إذ كتبت جريدة “لاكروا” الصادرة في 2 ماي 1958 قائلة:” فموقف الولايات المتحدة التي لم تظهر منقبضة من التوتر الذي حصل في طنجة هو إحدى الدروس الأساسية التي يجب على الحكومة الفرنسية المقبلة أن تلقنه، فإن أرادت أن تتجنب المأزق فعليها أن تحدد في اقرب وقت ممكن سياسة عامة لإفريقيا الشمالية وان تعرف انه من المستحيل فصل القضايا المغربية و التونسية عن مشكل الجزائر.”
أما جريدة “لومانيتي ” فقد كتبت في عددها الصادر يوم 2 ماي 1958 قائلة:”في طنجة قضي على مراوغات دعاة الحرب حول الاختلافات الجزائرية المغربية، و الجزائرية التونسية إذ توطد توطدا وثيقا تضامن شعوب المغرب العربي، فالمغاربة والتونسيون قرروا تأييد إخوانهم الجزائريين بصفة فعالة: فتوصية مؤتمر طنجة الخاصة بتأليف حكومة جزائرية تمنح لجبهة التحرير الوطني الجزائرية سلطة دولية لا جدال فيها أكبر من التي كانت بيدها لحد الآن.”
وذهبت ” لوموند ” بدورها في عددها الصادر يوم 3 ماي 1958 إلى القول بأنه: ” هكذا تحقق وحدة المغرب العربي في الحرب وضدنا وكل ما هو اليوم ” توصيات”سيتجسم غدا في مؤسسات سياسية ونقابية واقتصادية ستقوم بتمثيل 23 مليونا من المسلمين.”
أما الصحيفة الأمريكية ” نيويورك تايمز ” فقد راحت تقول بأن:” البرنامج الذي حدد في طنجة يسير قدما أكثر مما كان منتظرا إذ أن فرنسا توجد في الحقيقة موضوعة أمام أمر الواقع إذا قبلت الحكومة الفرنسية المقبلة التفاوض على أساسا هذا البرنامج فهناك حظ لاستتباب السلم في الجزائر، والاحتفاظ بإفريقيا الشمالية لفائدة أوروبا وإذا ألحت في اعتبار نفسها مرتبطة مع الجزائر حسب القوانين النظيرة التي تجعل من هذا القطر جزءا من فرنسا فإنها ستصطدم بتوسع الحرب وبأزمة في علاقتها مع تونس و المغرب.”
ومن جهتها فإن صحيفة ” تايمز ” كتبت تقول:” ينبثق عن مؤتمر طنجة عامل ينبئ بتطورات مثمرة وذلك يظهر في تأسيس مجلس استشاري لأقطار المغرب العربي كمرحلة أولى نحو إقامة نظام تعاهد وثيق.”(67)
إن هذه التعاليق الصحفية (الغربية ) إن دلت على شيء فهي تدل على أن مصير المغرب العربي باندلاع الثورة الجزائرية صار مرتبطا بالمآل الذي تؤول إليه هذه الثورة في صراعها مع الاستعمار، ولذلك فإن التاريخ لم يسجل لنا رفض أو تحفظ صريح لا لملك المغرب ولا لرئيس تونس حول القرارات و التوصيات المتمخضة عن المؤتمر (68)، بل أن المرحوم احمد توفيق المدني يذكر قوله:” إن الحكومة الليبية برئاسة السيد عبد المجيد كعبار، كانت مستاءة كل استياء لما بلغها من عقد مؤتمر طنجة دون دعوة ليبيا، وهي تعتقد أنها بلاد المغرب العربي ” لحما ودما وعاطفة وعملا ” وقد برهنت على كل ذلك بما لديها من الرسائل، وطلبت الحكومة الليبية تبليغ استياءها للأطراف التي دعت إلى عقد الاجتماع دون دعوة ليبيا.(69)
إلا أن الجدير بالملاحظة في هذا الشأن هو أن الشيوعيين في أقطار المغرب العربي مستهم حمى الوحدة المغاربية، إذ أنهم بعد مرور أكثر من سنة على انعقاد مؤتمر طنجة، وبالتحديد في بداية شهر أوت 1959 عبرت الأحزاب الشيوعية المغاربية عن رغبتها في ضرورة تنظيم لقاء يجمع شيوعي المغرب العربي، فالتقى الحزب الشيوعي الجزائري (ممثلا في عبد الحميد بن مصطاف) و الحزب الشيوعي المغربي (ممثلا في عبد السلام بورقية وعبد القادر العياشي ) وتحادثوا خصوصا في المشكل الجزائري، وحيوا القرارات التي اتخذت في ندوة طنجة وأكدوا على ضرورة تجسيدها الواقعي. ذلك ما جاء في ختام ذلك الاجتماع الذي توج بتصريح مشترك وزع في شكل منشور Tract في أربع صفحات (70)
د– مصير قرارات مؤتمر طنجة:
على رغم من أهمية النتائج التي توصل إليها مؤتمر طنجة فإن الظروف الداخلية والدولية للأطراف الثلاثة المشاركة في المؤتمر لم تكن تسمح بتجسيد تلك القرارات والتوصيات، فقبل انعقاد المؤتمر كان حزب الاستقلال قد أثار مسألة الحدود بين الجزائر والمغرب مطالبا الملك بضرورة مفاوضة الفرنسيين لاسترجاع بعض المناطق التابعة للمغرب في الجزائر وهكذا فإنه في ” الوقت الذي كانت فيه حرب التحرير في أعنف معاركها شكل المغرب سنة 1958 لجنة للتفاوض مع الاستعمار الفرنسي حول الحدود المغربية الجزائرية “.(71) وكان من شأن ذلك الطرح أن يؤدي بعد استرجاع الجزائر لاستقلالها إلى مشادات في حدود القطرين .
– مؤتمر المهدية:
في منتصف شهر جوان (17-20 جوان 1958) إلتقت الحكومتان المغربية و التونسية بلجنة التنسيق و التنفيذ عن الجزائر في مدينة المهدية بتونس ،وهو اللقاء الذي يعرف بـ”مؤتمر المهدية “(72)و الذي خصص لبحث كيفيات تنفيذ توصيات مؤتمر طنجة، ونقشت خلاله عدة موضوعات أهمها : التعاون السياسي والدبلوماسي بين الأطراف الثلاثة، وموضع تشكيل حكومة الجزائر .وكان من قرارات تنصيب سكرتارية دائمة تتكون من ستة أعضاء، فعن الجزائر عين: أحمد بومنجل، واحمد فرنسيس، وعن المغرب: الدكتور بناني ومحمد الفاسي وعن تونس: عبد المجيد شاكر وأحمد تليلي، وتم الاتفاق على أن تتفرع السكرتارية إلى مجموعتين: الأولى مقرها الرباط وتتكون من مغربيين وجزائري، المجموعة الثانية مقرها بتونس وتتكون من تونسيين وجزائري. ويمكنهما الاجتماع (الأمانة ) دوريا في الرباط أو تونس. إذا كانت الأمانة الدائمة اجتمعت مرتين (الأولى في تونس من 30 أوت إلى 1 سبتمبر 1958، و الثانية في الرباط من 15 إلى 17 أكتوبر 1958، فإن اللجنة الاستشارية لم تر النور أبدا.(73)
وبالرغم من أن المؤتمر أكد على حق الشعب الجزائري في الاستقلال و السيادة، فإن موضوع إنشاء حكومة جزائرية أرجئ البت فيه، وإن كانت لجنة التنسيق و التنفيذ بدأت في الحقيقة منذ شهر جوان 1958 في إسناد وظائف حكومية معينة لأعضائها، وكانت قد شكلت “شبه حكومة ” من السادة:
– فرحات عباس: الشؤون الإعلامية.
– كريم بلقا سم، عمار وزقان، عبد الحفيظ بوصوف: الشؤون العسكرية.
– محمد الأمين دباغين: الشؤون الدبلوماسية.
– الأخضر بن طوبال: الشؤون الداخلية.
– محمود الشريف:الشؤون المالية
– عبد الحميد مهري: الشؤون الاجتماعية (74)
وكانت تلك التشكيلة الحكومية باشرت المهام المسندة إليها إلى غاية الإعلان الرسمي عن ” الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ” بتاريخ 19 سبتمبر 1958، ولما كان الإعلان عن الحكومة المؤقتة من القاهرة، فإن ذلك كان نتيجة ” رفض طلب جبهة التحرير الوطني بتكوين حكومة جزائرية مؤقتة في المغرب أو تونس قبل تقديم نفس الطلب إلى مصر “(75)  وإن كان الإعلان تم في نفس الوقت في كل من الرباط وتونس.
وإذا كانت صحيفة جبهة التحرير الوطني “المجاهد ” قد ربطت بين مؤتمري طنجة و المهدية مذكرة بأهميتهما في افتتاحية العدد 28 بعنوان ” من طنجة إلى المهدية ” قائلة:”إن أهمية هذين المؤتمرين ترجع إلى أن 25 مليون من أبناء المغرب العربي بعد مرحلة طويلة وشاقة من التاريخ قد عادوا إلى المنبع الأصلي وقرروا أن يتحدوا في السراء و الضراء من جديد”.
فإن الأحداث المتلاحقة و المواقف الرسمية للأطراف الثلاثة سرعان ما كشفت عن تناقضات ومصالح قطرية تتناقض مع قرارات وتوصيات ومؤتمر طنجة، فكانت البداية بقبول تونس عقد اتفاقية “إيجلي ” بالجنوب الجزائري عبر التراب التونسي إلى ميناء قابس وكانت موافقة الحكومة التونسية على تلك الاتفاقية سببا كافيا لتأزيم العلاقة بين جبهة التحرير الوطني والحكومة التونسية، خلافا لليبيا التي كانت في مطلع سنة 1958رفضت عرضا فرنسيا لتمرير أنبوب بترول على حدودها، وتصديا لذلك الموقف التونسي، فإن “المجاهد “عنونت افتتاحية العدد
27 بالعنوان التالي “الخبز المسموم”جاء فيها على الخصوص:” إن فرنسا قد عرضت هذه الصفقة على ليبيا في أوائل سنة 1958، فرفضت الحكومة الليبية و البرلمان والملك مقتنعين بحجج جبهة التحرير الوطني ومضحين بالفوائد و المرابيح ”
وتواصل الافتتاحية قائلة:” وكذلك حكومة المغرب التي رفضت بعد مساعي جبهة التحرير قبول شحنة النفط الفرنسية لتكريرها في القنيطرة عندما تسببت أزمة التمرد في 13 مايو في قطع المواصلات بين الفرنسيين في الجزائر واستحالة تكرير النفط في مصانع مرسيليا. بالإضافة إلى موقف سوريا و الأموال الطائلة التي ضحت بها بتخريبها لأنابيب النفط العراقي المارة عبر أراضي سوريا وذلك تضامنا مع مصر أثناء معركة السويس ” العدوان الثلاثي “.
وتضيف المجاهد نقدا للموقف التونسي قولها: ” نحن لا ننازع في أن مد الأنابيب البترولية من تونس ستستفيد منه البلاد التونسية بما لا يقل عن مليار فرك سنويا، ولكننا نعتقد أن تونس تستطيع أن تضحي بهذا المليار في سبيل انتصار الجزائر”.
وبعد أن تحدد المجاهد بان الآبار النفطية تمثل دعما للاقتصاد الفرنسي الذي أنهتكه الحرب، ولا الدعم الأمريكي لانهارت فرنسا اقتصاديا، تختتم قولها بكلمات ذات دلالة عميقة، بقولها:” لأننا نطمح إلى مسؤوليات عظمى أمام التاريخ سطرها مؤتمر طنجة العظيم وهتف لها شعبنا في كل المغرب العربي من صميم قلبه لأنها تجاوبت تجاوبا عميقا مع رسالته النبيلة و مصيره العظيم. إن الدماء التي دفعها شعبنا في المغرب العربي بسخاء لم يبذلها في سبيل ” الخبز المسموم” الملطخ بالدماء و المذلة و الجرائم الاستعمارية “(76).
و كانت تلك الحادثة وموقف جبهة التحرير الوطني منها في تأزم العلاقة –مؤقتا –بين الجبهة و الحكومة التونسية التي أقدمت على مصادرة العدد الموالي “28 “من المجاهد، ولم يصدر إلا بعد أن سويت المشكلة مع السلطات التونسية.
وعلى الرغم من استمرار الدعم المغربي و التونسي و الليبي للثورة الجزائرية دبلوماسيا وماديا من خلال تواجد قوات جيش التحرير الوطني واستعمال أراضي الأقطار المذكورة كمناطق ومنافذ إستراتيجية لعمل جيش التحرير الوطني، فإن ما كان يشوب العلاقات من حين لآخر من اختلافات نتيجة التباين في الرؤية الإستراتيجية ونتيجة طبيعة جبهة التحرير الوطني كحركة تحررية، وحرص السلطتين في المغرب وتونس على ممارسة دورهما كدولتين ذات سيادة، كل ذلك جعل العلاقات التونسية –الجزائرية خاصة تعيش أحداثا كثيرة سببت توترات بين الطرفين نذكر من ذلك العدوان الفرنسي على بنزرت (1961)بسبب تمركز القوات الجزائرية بتونس التي أصبحت مقرا للحكومة المؤقتة بعد انتقالها من القاهرة.. تلك الحكومة التي كانت منذ صائفة 1956 على علاقة غير جيدة مع القادة العسكريين، لتتأزم أكثر في صائفة 1961 عندما أقدمت هيئة الأركان العامة للجيش على تقديم استقالتها للحكومة المؤقتة يوم 15 جويلية 1961 محتجة على السياسة التونسية للحكومة المؤقتة. وكان السبب المباشر لتلك الاستقالة هو حادث الطائرة الفرنسية التي أسقطها جيش التحرير وأسر قائدها في الحدود التونسية – الجزائرية.
وكان أن طلبت الحكومة التونسية بتسليم ذلك الطيار لها بدعوى انه أسر في التراب التونسي، ورأى جيش التحرير انه أسير حرب رافضا تسليمه للسلطات التونسية، وهو ما أدى إلى تأزم العلاقات مع السلطات التونسية التي أقدمت على قطع الماء و الكهرباء على الجيش التحرير الوطني و حاصرته بفرق الحرس الوطني التونسي…  و كان أن تدخلت الحكومة المؤقتة آمرة جيش التحرير بتسليم الطيار الأسير إلى السلطات التونسية، وهو ما تم لكنه خلق شرخا جديدا بين الحكومة المؤقتة وقيادة الجيش.(77)
الملاحظ أن مواقف ليبيا التي كانت نتيجة عدم وجود ارتباط ليبي بالاستعمار الفرنسي، ونتيجة أيضا للضغط الجماهيري على النظام الملكي الليبي للتجاوب مع الثورة الجزائرية (78).تلك الأسباب و غيرها جعلت النظام الليبرالي، رغم الضغوط الغربية، لا يتوانى عن تقديم كل مساعدة ممكنة فضلا عن جعل الأراضي الليبية ذات الأهمية الإستراتيجية للثورة الجزائرية، ممرا مفتوحا لعبور الأسلحة القادمة من أو عن طريق مصر.. و لم تعرف العلاقات الليبية- الجزائرية توترات تذكر، خلافا للقطرين التونسي و المغربي اللذين ونتيجة للضغوط الفرنسية و لطبيعة النظامين، و المخاطر التي كانوا يتوجسونها من تعميم النموذج الجزائري للتحرير في المغرب العربي فإنهما (أي النظامين المغربي و التونسي) تعاملا مع جبهة التحرير الوطني وفق ما كانوا يرونه مناسبا لبقائهما و تجنبا لخروج الشارع الشعبي عن طوعيهما.
و لذلك فإن تجسيد نتائج مؤتمر طنجة ظلت رهينة الظروف الداخلية و الدولية للأطراف الثلاثة، و هي الظروف التي لم تكن مساعدة على تنفيذ قرارات طنجة، حتى و لو افترضنا تحمس الأطراف المعنية لتجسيدها، وهي الفرضية التي لم تؤكدها الأحداث و المواقف التي تلت مؤتمر طنجة، إذ برزت الفروقات الإيديولوجية و السياسية بين الأحزاب الثلاثة إثر استرجاع الجزائر لاستقلالها، فضلا عن النزاعات و الخلافات الحدودية التي عادت لتظهر من جديد بمجرد إعلان استقلال الجزائر..
و بذلك دخلت مسألة الوحدة المغاربية مسارا جديدا، و إن لم تتحقق فيه الوحدة، فإنها ظلت أحد الموضوعات الرئيسية المطروحة على الساحة المغاربية و هو موضوع يستحق أن يكون محور بحث كامل نأمل أن تسنح لنا الظروف مستقبلا القيام به.

الهوامش      
1- لم يكن من السهل على جناح بورقيبة في الحزب الدستوري الحر التحكم في المآل الذي كانت تتجه إليه المقاومة التونسية المتأثرة بدعوة عبد الكريم الخطابي للجهاد الذي كاد أن يعم القطر التونسي و هو ما سعى بورقيبة لتفاديه و نجح في ذلك لما للحزب الدستوري من على الشباب التونسي و عوامل أخرى لا مجال لذكرها هنا.
2- تعبير الإدارة الاستعمارية على المقاومين التونسيين و الجزائريين بمعنى أنهم ” قطاع طرق”ووردت هذه الكلمة في القواميس الفرنسية بهذا المعنى:
FELLAGA ou FELLAGHA : coupeur de route (partisan algérien ou tunisien soulevé contre l’autorité française pour obtenir l’indépendance de son pays), petit la rousse illustré 1990.
3- مجلة الباحث: تاريخية دورية، العدد2، نوفمبر 1984، إصدار مجلة التاريخ للجيش الوطني الشعبي، ص18-19.
4- أحمد مزغنة(1907-1982): كان عضوا في اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديموقراطيات، و أشرف على أشغال المؤتمر الوطني للحركة في شهر أفريل 1953 لغياب مصالي الحاج، و إنجاز لمصالي إثر الأزمة التي عصفت بحركة الانتصار.
5- محمد بوضياف(1910-1992) مسؤول المنظمة الخاصة os بعمالة قسنطينة، مسؤول اتحادية فرنسا لحركة الانتصار 1953، عضو مؤسس للجنة الثورية للإتحاد و العمل crua، و مجموعة 22(groupe des 22) 1954، منسق لمجموعة الستة، رئيسا للدولة الجزائرية جانفي 1992، و تم اغتياله بمدينة عنابة بتاريخ 29 جوان 1992.
6- راجع مقالة: “أحداث مهدت لثورة نوفمبر”، عبد الحميد مهري، الأصالة، العدد22/1974، ص11-16.
7- ذاك ما أكدته تصريحات الساسة الفرنسيين إثر اندلاع ثورة نوفمبر، فقدصرح وزير الداخلية أنداك (فرانسوا متيران)، يوم 5 نوفمبر 1954 قائلا: “الجزائر هي فرنسا، من فلاندر إلى الكونغو هناك قانون واحد، و مجلس نيابي واحد. و بذلك فهي أمة واحدة، هذا هو دستورنا و تلك هي إرادتنا” . و بعد شهور من اندلاع الثورة جاء في تصريح للحاكم العام” جاك سوستيل” يوم 23 فيفري 1955، قوله: “إن فرنسا هنا ديارها أو على الأصح فإن الجزائر و جميع سكانها جزء لفرنسا، كما أنها جزء لا يتجزأ منها.. إن مصير الجزائر فرنسي، و هو اختيار قررته فرنسا، و هذا الاختيار يدعي الاندماج “. و في نفس السنة و بتاريخ 25 سبتمبر 1955 يصرح “إدغار فور” رئيس مجلس الوزراء بقوله: ” ليس هناك من اختيار تسعى إليه، و هناك أكثر من قرن و الجزائر تندمج في فرنسا.. إن هدفنا الآن هو الدمج الكامل”. و ظل ذلك الحلم يراود ساسة فرنسا حتى بعد استنجادها بالجنرال ديغول الذي لم يتردد في التعبير عن إستراتجية أحلام فرنسا التاريخية عند تصريحه سنة 1958 بقول :”    l’Algérie restera française comme la France est restée romaine ” ومعناه بالعربية:” إن الجزائر ستبقى فرنسية مثلما بقيت فرنسا رومانية “.
8- فرحات عباس: ليل الاستعمار، نقله إلى العربية أبو بكر رحال، مطبعة فضالة المحمدية، المغرب، بدون تاريخ، ص 229.
9- كان بورقيبة يتبنى سياسة الخطوة-، روي عنه قوله لمنديس فرنسيس رئيس الوزراء الفرنسي.” أن الإستقلال يمكن أن ينتظر عشر سنوات”، راجع: نجلاء أبو العز، عبد الناصر و العرب، ترجمة يوسف سعيد الصباغ، مكتبة مدبولي و الوطن العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1981، ص435.
10- منصف الشابي- صالح بن يوسف حياة كفاح، دار الأقواس للنشر، تونس، الطبعة الأولى، مارس 1990، ص 182.
11- نفس المصدر، ص 182.
12- ترأس اجتماع لجنة تحرير المغرب العربي علال الفاسي ممثلا لحزب الاستقلال، و مثل جبهة التحرير الوطني محمد خيضر، و عن الجانب التونسي المناضل إبراهيم طوبال الذي قدم تقريرا عن تطور الأوضاع في تونس إلى الجامعة العربية مطالبا بتكوين لجنة خاصة لدراسة المسألة التونسية و الاتفاقيات المبرمة مع فرنسا معتبرا إياها تفريطا في السيادة التونسية.
13-  منصف الشابي- صالح بن يوسف، مرجع سابق، ص 183.
(*)أحداث بنزرت: نعني بها ذلك الاعتداء الذي تعرضت له مدينة بنزرت في شهر جويلية 1961، وأراد به ديغول أن يخنق الثورة الجزائرية و مفاوضات إيفيان جارية.
14-  أنظر: أحمد بن صالح: تونس والتنمية والمجتمع والسياسة، حوار مارك زفان، دار الكلمة للنشر 1980،ص50.
15-  أنظر: دراسة الدكتور المنجي الكعبي: المغرب العربي بين الوحدة و الاستقلال، الجامعة التونسية، مركز الدراسات و الأبحاث الاقتصادية و الاجتماعية 1983،ص233.
16-  أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، ج3، مع ركب الثورة التحريرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988، ص230.
17-  مجلة الشورى (ليبية) العدد 4.
18-  تم خلع الملك محمد الخامس يوم 20 أوت 1953 و نفيه إلى جزيرة كورسيكا ثم إلى مدغشقر، و نصبت فرنسا على عرش المغرب سلطانا عجوزا ضعيفا هو: محمد بن عرفة و هو الإجراء الذي قوبل برفض تام من طرف الحركة المغربية و تطور الرفض إلى مقاومة مسلحة.
19-  كان 20 أوت 1955 يصادف الذكرى الثانية لخلع الملك محمد الخامس، و لذلك فإن جبهة التحرير الوطني بالتنسيق مع الوطنيين المغاربة قرروا الزحف في ذلك اليوم على القوات الفرنسية و المستوطنين في كل من الجزائر و المغرب فعرف الشمال القسنطيني هجومات  عنيفة في وضح النهار ضد القوات الفرنسية، في نفس الوقت كانت المقاومة المغربية تشن هجومات مماثلة على الجاليات الأوربية المستوطنة مما كان له وقعه على الرأي العام عامة و الفرنسي خاصة الذي بدأ يطالب بإلحاح بإيجاد الحل المناسب فكانت البداية بالإفراج عن الملك.
20-  نقصد بذلك تحفظات بعض الساسة ورجال المقاومة و الفقهاء في المغرب الأقصى من الطبيعة الاجتماعية للثورة الجزائرية.
21-  محاولات الحركة الوطنية M.N.A( المصالية) التي كانت تسعى للإبقاء على هيبة مصالي حتى ، إن اقتضى الأمر معاداة الجبهة.
22-  إذا كان توفيق المدني ينسب ذلك الموقف إلى المرحوم المهدي بن بركة.. فإننا  ننقله بتحفظ شديد لما عرف عن بن بركة من مواقف معارضة للنظام الملكي و الأسس الاجتماعية التي يقوم عليها، إلى درجة إقدامه (أي بن بركة) سنة 1959 على الاختلاف مع علال الفاسي زعيم الحزب الذي انشق عنه بن بركة و عبد الله إبراهيم و عبد الرحيم بوعبيد و إقدامهم على تأسيس حزب جديد بإسم “الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تحول فيما بعد إلى ” الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و كان هذا الحزب معارضا للملك، و استقطب الكثير من الإطارات و الكوادر التي كانت في حزب الاستقلال بزعامة الفاسي.
23-  أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، ج3،  ص 281-285.
24-  يذهب المؤرخ عبد الرحمان الجيلالي إلى اعتبار ذلك الهدف تأكيدا من الجبهة لالتزامها بميثاق لجنة تحرير المغرب العربي المتفق عليه بتاريخ 9 ديسمبر 1947 تحت رئاسة الأمير عبد الكريم الخطابي..تاريخ الجزائر، ج4، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة7، 1995، ص385.
25-  جوان جليسبي: ثورة الجزائر، ترجمة عبد الرحمان صدقي أبو طالب، مراجعة د. راشدي البراوي، الدار المصرية للتأليف و النشر، ديسمبر 1966، ص 145.
26-  كان غي مولي بصفته رئيسا لمجلس الوزراء، صرح يوم 9 مارس 1956 قائلا.” يجب أن تسكت الأسلحة، لتنظيم الانتخابات الحرة النزيهة في الشهور الثلاثة القادمة بعد وقف المعارك و أعمال العنف”.
27-  أنظر علي رحايلية: دراسة بعنوان: مفاوضات سرية و أخرى علنية، الجزء الأول، جريدة الخبر 6 جويلية 1997.
28-  لأخذ صورة كاملة عن النشاط الإعلامي و الدعائي لجبهة التحرير الوطني، راجع أحمد حمدي المبادئ الإعلامية لجبهة التحرير الوطني في صحيفة المجاهد 1956-1962، رسالة ماجستير، معهد الإعلام جامعة الجزائر 1984.
29-   د. عواطف عبد الرحمان: الصحافة العربية في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1985، ص 59.
30-  أخطرت فرنسا تحت ضغط   الثورة الجزائرية للتخلي عن منطقة”فزان” بليبيا بعد أن كانت متواجدة بها عسكريا مند الحرب العالمية الثانية التي انتهى الحلفاء خلالها إلى اقتباس ليبيا بعد طرد القوات الإيطالية منها.
31-  يذكر في هذا السيد أحمد بن بلة أن:” بين الجزائر و المغرب خلال مرحلة التحرير، ذاكرة مشتركة حية فقد كانت هناك قيادة موحدة في منطقة الريف، في الناظور بالذات.. و أن الملك محمد الخامس يوم عودته و تبوئه من جديد العرش جراء، عمل خاص وقاس. من الناظور بالذات كانت القيادة لأنه لأول مرة المغرب و الجزائر قامتا بعمل مشترك، أدى إلى رجوع جلالة الملك إلى عرشه وأخذ يبحث مع الحكومة الأسبانية حول موضوع عودة منطقة الريف واستدعاني في ذلك الوقت لأزوره ولأطلع على وثيقة أساسية و هذه الوثيقة ليست معروفة كثيرا و هي تقضي على أنه لا الجزائر و لا تونس ولا المغرب تقدم على قبول هذا الاستقلال من دون استقلال المنطقة ككل، في وقت اطلع هو على هذه الوثيقة و طلب أن يذهب لرؤيته و ذهبت لرؤيته. و بباسطة قال لي لقد عرضوا عليّ الاستقلال هل أقبل أو أرفض خصوصا و أنكم مازلتم في حالة حرب؟ وقبل هذا كنا قد اجتمعنا في القيادة الجزائرية وكنا قد وضعنا بعض النقاط كشروط قبول للملك محمد الخامس للاستقلال لما عرضته عليه الحكومة الفرنسية ، وكانت هذه الشروط تتكون من 25 نقطة .وبدأ يتكلم ، وبعد ذلك قال ماذا أفعل ؟أرفض الاستقلال أو أقبل الاستقلال وتبقى مراكش كمجال استراتيجي وعنق للجزائر .ونتعاهد بهذا وأضاف نقطا أخرى تجاوزت الخمس و العشرين التي كانت عندي ، فطبعا قبلت و الرجل كان عظيما وصادقا في كل النقط التي اتفقنا عليها في مدريد …أنظر كلمة الرئيس بن بلة في المؤتمر  القومي العربي  السابع ، المنعقد بالدار البيضاء ،المغرب 19-21 مارس 1997، جريدة الاتحاد الاشتراكي (مغربية )العدد 4970 بتاريخ 20 مارس 1997.
32-  حمد الخطيب الثورة الجزائرية، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1958، ص223.
33-  نفس المصدر ، ص224.
34-  النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني 1954-1962، وزارة الإعلام و الثقافة –الجزائر 1979،ص131-132.
35-  وضع إقليم “فزان”بليبيا ، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية وتقاسم الحلفاء لليبيا ، تحت الإدارة العسكرية الفرنسية (منطقة نفوذ فرنسية )وقبيل اندلاع الفاتح من نوفمبر 1954 أكد مدير مصالح الاستخبارات الفرنسية على مستوى الشمال الإفريقي جان فاجور:” أن هناك أشياء تعد وتدبر في الخفاء، وأن مخابئ للأسلحة اكتشفت في إقليم فزان الليبي المحتل من طرف قواتهم …”أنظر : يحي بوعزيز ” المراحل الكبرى للثورة ، جريدة الخبر 21 سبتمبر 1997.
36-  أحمد توفيق المدني: “حياة كفاح، ج3، مرجع سابق، ص164-165.
37-   Mohamed HARBI :Le FLN Mirage et Réalité ,Edition J.A ,Paris, 1980,p204.
38-  كان عدد الجنود الجزائريين في الأراضي التونسية سنة 1958 يتجاوز عدد جنود الجيش التونسي حسب بعض التقديرات.
39-  عمار بوحوش : ردود فعل السلطات الفرنسية في عهد الجمهورية الرابعة على قيام ثورة أول نوفمبر 1954،مجلة العلوم السياسية ، العدد 1 ، ص21.
40-  نفس المصدر ، ص22.
41-  المجاهد ، لسان حال جبهة التحرير الوطني ، العدد 18 ، 15 فيفري 1958.
42-  مؤتمر الصومام قد حلل الوضع في المغرب بقوله :إن الزحف الثوري في شمال إفريقيا على الرغم من انعدام خطة سياسية مشتركة لضعف لجنة تحرير المغرب في أساسها قد اضطر الاستعمار الفرنسي إلى تدبير خطة دفاعية ارتجالية مستعملا كل أنواع القمع الاستعبادي التقليدي ، والمحادثات الفرنسية التونسية التي كان من المفروض أن تكون بمثابة حاجز استعماري على الطريقة الجديدة، قد أصبحت متأخرة من اثر السخط الشعبي ومن الضربات التي انهارت على الاستعمار في البلدان الشقيقة وكان تطور الأزمة المغربية السريع ودخول الجبليين في الكفاح بالسلاح معززين جانب المقاومة في الحضر ولا سيما أثر الثورة الجزائرية كل ذلك كان من العوامل الفعالة في انقلاب الموقف الرسمي الفرنسي وحصول الاستقلال المغربي .
43-  العربي بن مهيدي : “الأهداف الجوهرية لثورتنا ” ، المجاهد، ع2، 1956.
44-  جوان جليبسي ، مرجع سابق ، ص193.
45-  جرت العادة وصف ندوة طنجة 1958 بالمؤتمر في حين أن الوثائق الصادرة عن ذلك اللقاء تصفه بالندوة  .
46-  لم تكن اتصالات جبهة التحرير الوطني مقتصرة على قيادة الحزبين فقط، بل كانت تمتد إلى مختلف القوى الاجتماعية و السياسية في القطرين بصرف النظر عن علاقة تلك القوى بالسلطتين القائمتين في المغرب وتونس.
47-   Slimane SHIKH, L’Algérie en arme au temps des certitudes, OPU, 1981, P : 490.
48-  أنظر ” وقائع مؤتمر طنجة “، افريل 1958، المجاهد الأسبوعي ، العدد 1186، الجمعة 29 افريل 1983.
49-  نفس المصدر .
50-  خلافات لمختلف المصادر بما فيها الصادرة عن الندوة المذكورة ،فإن سليمان الشيخ يحدد (خطأ) انعقاد الندوة من 27 إلى 29 افريل …انظر Slimane SHIKH.
51-   La conférence de l’unité) TANGER 27-30 AVRIL 1958)Ireman Bibliothèque Secrétariat d’état à L’information – République Tunisienne.
52-   Slimane SHIKH ,OP,CIT,p :205.
53-  جوان جليسبي ، مرجع سابق ، ص194.
54-  المجاهد الأسبوعي ، مرجع سابق .
55-  نفس المصدر .
56-  يذكر الدكتور يحي بوعزيز : انه تم الاتفاق على ” إقامة اتحاد مغاربي بين الأقطار الثلاثة يبقى مفتوحا لليبيا كذالك “وهو القول الذي لم أجد له ما يؤكده في وثائق مؤتمر طنجة ..أرجع دراسة ” يحي بوعزيز ” بعنوان : مسلسل الاتصالات السرية ، المنشورة في جريدة الخبر ع22/09/1997.
57-  يذكر بشأنها ” سليمان الشيخ ” أن القرار نص على أن تتكون مؤقتا من 30 عضوا : 10 أعضاء يختارون من الجمعية التأسيسية المغربية ، و10 أعضاء يختارون من المجلس الوطني التونسي ، و10 أعضاء من المجلس الوطني للثورة الجزائرية (CNRA) أنظر 491. Slimane SHIKH ,OP,CIT,p :.
58-  أنظر د.حسين بوقارة : الوحدة المغربية بين الواقع و الأفاق ، مجلة العلوم السيايسة ،ع1 ، مرجع سابق ، ص59.
59-  جوان جليسي ، مرجع سابق ، ص194.
60-  نفس المصدر 194وكذا حسين بوقارة ، المصدر المذكور أعلاه .
61-  كانت لجنة التنسيق و التنفيذ درست موضوع إنشاء حكومة مؤقتة خلال شهر فيفري 1958 ، وأرجأت ذلك إلى الوقت المناسب تفاديا للحرج الذي قد يسببه تنفيذ القرار للحكومتين التونسية و المغربية في علاقتها بفرنسا وهما يسعيان منذ سنوات إلى محاول إقناع فرنسا بالتفاوض مع الجبهة التي حاولا معها مرارا تليين موقفها ، فلم تستجب فرنسا لذلك المسعى من الدولتين على أساس أنهما غير حياديتين في النزاع ، لم تستجب لذلك علانية في وقت كانت فيه الاتصالات السرية بين شخصيات فرنسية وممثلين لجبهة التحرير الوطني قائمة منذ 1956.
62-  يحي بوعزيز : مسلسل الاتصالات السرية ، مرجع سابق.
63-  المجاهد الأسبوعي، مرجع سابق.
64-  كان حضور الصحافة العربية و الدولية كثيفا إذ تابع أشغال المؤتمر طيلة 4 أيام 160ممثلا للصحافة العالمية.
65-  المجاهد : العدد 23 الصادر بتاريخ 7 ماي 1958.
66-  André MANDOUZE :La révolution Algérienne par les textes ,Cahiers libres ,N16 ,François MASPERO,Pris Septembre 1961 , p :76
67-  رجع هذه التعاليق الصحفية الأسبوع الصادر بتاريخ 29 أفريل 1983 ، العدد 1186.
68-  نقول ذلك لأن المؤتمر جمع تنظيمات حزبية بعد استجابة الحكومتين المغربية و التونسية لدعوة لجنة التنسيق و التنفيذ وذلك للأسباب التي سبق ذكرها.
69-  أحمد توفيق المدني، حياة كفاح ج3،ص390.
70 –    Slimane SHIKH ,OP,CIT,p :492.
71-  انظر : د.إسماعيل دبش ، الموافق العربية والدولية تجاه الثورة الجزائرية ، مجلة العلوم السياسية ،ع1. 1994.
72-  انعقد المؤتمر في ظرف اتسم بتطور الأحداث على الصعيدين العسكري و السياسي بالنسبة لفرنسا ،إذ أنه في 13 مايو 1958 تحدى الجيش الفرنسي و المستوطنون الأوربيون في الجزائر السلطات الفرنسية في باريس وكونوا ” لجنة الأمين العام ” وكان ذلك التمرد العسكري السبب الرئيسي في استدعاء الجنرال دوغول ليتولي رئاسة الوزارة في فرنسا في أول جوان 1958.
73-   Slimane SHIKH, OP, CIT, p: 491.
74-  أنظر كتابنا: التطور السياسي والتنظيمي لجبهة التحرير الوطني، ديوان المطبوعات الجامعية، 1993، ص78.
75-  إسماعيل دبش ، مرجع سابق.
76-  المجاهد : العدد 27.
77-  لمزيد من التفاصيل راجع كتابنا: التطور السياسي و التنظيمي لجبهة التحرير الوطني، مرجع سابق ص88-90.
78-  من مواقف الشعب الليبي لفائدة الثورة الجزائرية حدث أنه ” عند زيارة عدنان مندريس رئيس وزارة تركيا إلى ليبيا في نهاية سنة 1956، امتنع الشعب الليبي بصفة شاملة على استقباله وأغلقوا محلاتهم ودخلوا بيوتهم وتركوا طرابلس وشوارعها خالية احتجاجا على موقف تركيا الموالي لفرنسا ”

مجلة المصادر العدد الأول 1999
الدكتور عامر رخيلة

رابط مختصر