تاريخ تُنبكتو منذ نشأتها إلى غاية القرن الحادي عشر الهجريّ دراسة ثقافية / الحاج بنيرد

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 8 سبتمبر 2015 - 7:02 صباحًا
تاريخ تُنبكتو  منذ نشأتها إلى غاية القرن الحادي عشر الهجريّ دراسة ثقافية / الحاج بنيرد

مقال نشر بالعدد الثالث من مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية ص 173، من إعداد الدكتور الحاج بنيرد / جامعة مولود معمري – تيزي وزو،الجزائر. 

ملخص :

     لقد لعبت مدينة تُنبكتو شمالي مالي دورا هامّا في السّاحل الإفريقي، وشكّلت همزة وصل بين الغرب الإسلامي وبين إفريقيا جنوب الصّحراء، ومع ذلك فإنّني لم أقف على دراسة مخصّصة لها، وإنّما ذُكرتْ تبعا لِما يُعرف بالسّودان الغربي، وهذا ما جعلني أقوم بهذه الدّراسة محاولة لنفض الغبار عمّا طالها من الإهمال والنّسيان، فحاولت أن أجمع الإشارات الموجودة في مختلف الكتب والدّراسات، وأن أضعها تحتها المجهر، فذكرت موقعها وتاريخ نشأتها (القرن الخامس الهجريّ)، وأهمّ عوامل تأسيسها؛ وهي عامل تجاريّ لاشتهارها بتجارة الذّهب والرّقيق والملح، فقصدها الناس من المشرق والمغرب والأندلس. وعامل سياسي تمثّل في انطلاق دعوة المرابطين من التّكرور على سواعد أمازيغ صنهاجة (لمتونة وجدالة ومسوفة)، وكانت منطقة تنبكتو حينها من أهمّ مراعيهم وأراضيهم. كما ساهم العامل الدّيني في نشأتها، وهو الرّغبة في نشر الإسلام في إقليم التّكرور وغانة، ومحاربة الوثنيّة في تلك البلاد.

     وذكرنا في هذا البحث أنّ تُنبكتو تناوبت عليها تقلبّات كثيرة، فعرفت أزهى أيّامها في عهد مملكة السُّنغاي في القرن التّاسع الهجري وما بعده؛ في عهد السّلطان موسى مَنْسا الّذي شيّد المساجد، وفي عهد الأسكيا محمّد الّذي اعتنى بالعلماء وأكرمهم، كما أنّها عرفت نكبات كثيرة، أهمّها نكبة سلطان مالي سُنّي علي الّذي حارب علماء تنبكتو وشرّدهم، ثمّ في نهاية القرن العاشر الهجريّ على يد السّعديّين الّذين قضوا على إشعاع تُنبكتو، وهذا ما فتح المجال واسعا أمام الوثنيّة، ثمّ حملات التّنصير مع الاستعمار الحديث.

    

 مقدّمة:

      تُعدّ مدينة تُنْبُكْتُو من أهمّ مدن السّاحل في الماضي والحاضر وربما في المستقبل، لقّبها المستكشفون بـ “جوهرة الصّحراء”، وقد مثّلت هذه المدينة منذ نشأتها بؤرة صراع ومركز ثقافة واطّلاع، وأثّرت فيما حولها وتأثّرت هي أيضا بما حولها، فغدت من أهمّ مراكز الإشعاع الثقافي والحضاري خصوصا في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، ومع ذلك بقيت هذه المدينة مغمورة عند المثقفين فضلا عن عامة النّاس، ولم تحظ بالكثير من الدّراسات ولم تنل نصيبها من البحث الأكاديمي، وكلّ ما هنالك أنها معلومات مبثوثة هنا وهناك ومتفرقة بين بطون الكتب، حاولنا جمع ما أسعفنا الجهد والحظّ لذلك، ثم نسّقنا بينها وأبدينا ملاحظاتنا حولها كلما عنّ لنا في ذلك رأي أو فكرة، فجاءت هذه الدّراسة القصيرة محاولة لنفض الغبار عمّا طالها من الإهمال والنسيان.

      ولهذا كان التجرّؤ على اختيارها موضوعا للدّراسة ضربا من التّوغّل في المجهول، ونوعا من المخاطرة العلميّة، بالنّظر لقلّة المراجع في هذا المجال، وبالنّظر أيضا لشحّ المصادر في ذكرها، ولولا الأحداث التي شهدتها في السّنوات الأخيرة ربما لم يسمع بها أحد.

      وقد وقفت على بعض أخبارها في كتاب “وصف إفريقيا” للحسن بن محمد الوزان الفاسي الشهير بليون الإفريقي (ت حوالي 957هـ)؛ ويعدّ كتابه هذا خريطة جغرافية وملخصا تاريخيا اعتمده الرحالة الأوروبيون في رحلات استكشافهم للمنطقة، وكتاب “تاريخ السودان” لعبد الرحمن بن عبد الله السعدي التنبكتي (ت 1066هـ/ 1656م)، كما اعتمدنا في هذا البحث على كتب التراجم التي ألفها علماء المنطقة لنتعرف على علومهم ورحلاتهم؛ ونخصّ بالذكر كتاب “نيل الابتهاج بتطريز الديباج” لأحمد بابا التنبكتي (ت 1036هـ/1627م)؛ ويعد من أشهر علماء المنطقة كما يعد كتابه من أهم كتب التراجم التي لا يمكن أن يستغني عنه الباحث في التراث، ووقفت أيْضا على كتاب “فتح الشكور في معرفة علماء تكرور” لأبي عبد الله الطالب محمد بن أبي بكر الصديق الولاتي (ت 1119هـ)، وهو كتاب متأثر إلى حد بعيد بكتاب “نيل الابتهاج”، إضافة إلى بعض الكتب العامة في التاريخ وبعض الدّراسات التّاريخيّة المتفرقة ككتاب “العبر” لابن خلدون (ت808هـ)، وكتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” لأحمد بن خالد الناصري (ت 1315ه/1879م)، وأيضا بعض الدّراسات التي تحدثت عمّا يُعرف بالسّودان الغربي.

      وما يُلاحظ على كتاب “تاريخ السّودان” لعبد الرحمان السّعدي هو كثرة التصحيفات والتحريفات فوقع من أخذ منه في ذلك، ولهذا فهو بحاجة إلى إعادة التحقيق، كونه حُقّق في وقت مبكّر على يد المستشرق هوداس في مدرسة اللغات الشرقية بفرنسا. 

إشكالية البحث:   

     متى تأسّست مدينة تنبكتو؟ وماهي مراحل الازدهار في تاريخها؟ وما هي مظاهر الانكسار والتأخر عن دورها الريادي في منطقة الساحل؟ وما علاقتها بمختلف الأقطار وخصوصا بشمال إفريقيا؟

    هذه هي الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها في هذا البحث.

 

1-   موقع مدينة: 

أ‌-  كلمة تُنْبُكْتو:

كلمة ” تُنْبُكْتو” كلمة أمازيغية باللّهجة الصّنهاجية مكوّنة من كلمتين “تين” و”بكتو”، ومعناها يخصّ العجوز أو خاصٌّ بالعجوز، لأنّها كانت أرضاً مِلْكاً لعجوز من طوارق إيمقشرن [1].

وقد ضبط ابن بطوطة (ت 779 هـ) كلمة “تُنْبُكْتُو” بضمّ التاء المثنّاة وسكون النّون وضمّ الباء الموحّدة وسكون الكاف وضمّ التّاء المثنّاة الثّانية وبعدها واو[2].

ويكتبها غير واحد من المؤرّخين والعلماء “تُنْبُكْت” بلا واو في الأخير كأبي العباس المقري (ت 1040 هـ) في “أزهار الرّياض في أخبار القاضي عياض”، ومحمد أمين المحبي (ت 1111 هـ) صاحب “خلاصة الأثر”، ومرتضى الزَّبيدي (ت 1205 هـ) في “تاج العرس”، وعبد الحيّ بن عبد الكبير الكتّاني (ت 1382 هـ) في “فهرس الفهارس”[3].

ومنهم من يكتبها “تمبكتو” بالميم بدل النون[4]، وذلك ظاهر نتيجة قلب النون ميما لالتقاء النّون السّاكنة بالباء، ومنه أيضاً  أُخذ المقابل بالفرنسية “Timbuctu”، ولهذا ترجمها الدكتور زكي نجيب محمود “تمبكتو” بالميم عند ترجمته لكتاب “قصّة الحضارة” لويليام جيمس (ت 1981 م)[5].

ب‌-      إقليم تُنْبُكْتُو:

      يقع إقليم تُنْبُكْتو في الشمال الغربي لدولة مالي حاليا بمحاذاة الجنوب الجزائري وشرق موريتانيا، في منطقة مترامية الأطراف وسط الصّحراء الكبرى فيما يُعرف بالسّاحل الإفريقي الّذي يضمّ دول موريتانيا وجنوب الجزائر وشمال مالي والنّيجر وتشاد وليبيا إلى غاية سواحل المحيط الأطلسي، وربّما بسبب ذلك أُطلق على المنطقة تسمية منطقة السّاحل.

      وكانت تُعرَف هذه المنطقة قديما باسم التكرور[6]، وباسم صحراء صنهاجة[7] لأنّ قبائل صنهاجة البربرية أكثر من عمّرها وأشهر من ذُكر بها[8].

      وقد عَرّف محمد بن أبي بكر الصديق الوُلاتي (ت 1119 هـ) إقليم التّكرور بأنّه إقليم واسعٌ جدّا يمتدّ شرقا إلى أدْغاغ (أدرار الجزائرية)، ومغربا إلى بحر بني زناقية[9] (المحيط الأطلسي)، وجنوبا إلى بيط (جنوب مالي)، وشمالا إلى أدرار (شمال موريتانيا)[10].

      والبلاد الواقعة في أرض السّودان شديدة الحرارة إلا أنّ بها شيئا من الرطوبة بسبب نهر النّيجر، وكلّ الأقاليم المجاورة لهذا النّهر صالحو جدا للزراعة، وتنمو فيها الحبوب بكثرة، وتوجد من الماشية أعدع لا تُحصى، ويوجد فيها أيضا أنواع الخضر إلا أنّ الفاكهة فيها قليلة أو منعدمة[11]     

أمّا مدينة تنبكتو فتتوسّط هذا الإقليم وتحتلّ موقعا استراتيجيا فيه، فالمارّ من شمال التكرور إلى جنوبه أو من شرقه إلى غربه لابدّ أن يمرّ على تنبكتو، وخاصّة أنه يمرّ بها نهر النّيجر ثمّ ينحني جنوبا إلى مدينة غاو بنحو ثلاثمائة وعشرين كيلومترا، وأمّا في الطريق إلى المحيط الأطلسي فتقع مدينة وُلاتة الموريتانية على الحدود مع الجزائر بنحو ذلك. 

2-   تأسيس مدينة تُنْبُكْتُو:

       يُجمع المؤرخون على أن مدينة تنبكتو تأسّست في القرن الخامس الهجري أثناء قيام دعوة المُرابطين[12]، ولم نر من شذّ إلا ما ذكره إبراهيم الأبياري (ت 1414 هـ) من أنها تأسّست سنة 610 هـ[13]، ويبدو أنّه اعتمد على ما ذكره الحسن الوزّان الشهير بليون الإفريقي بأنّ مدينة تُنْبُكْتُو بناها ملك مالي منسا سليمان سنة 610 هـ على نهر النّيجر[14].

   لقد كانت منطقة تنبكتو معبرا للقوافل بين غرب إفريقيا وشمالها وبين وُلاتة والقاهرة، ومن ثمّة إلى الشام والحجاز، ولهذا كانت محلا للبدو الرحل وخاصّ بعض فروع صنهاجة كلمتونة وجدالة ومسوفة؛ إذ يذكر المؤرّخون بأنّها كانت طريقاً للتّجارة من مدينة غاو وما دونها من بلاد غانا إلى المغرب والقاهرة والشّام والحجاز، وبأنها كانت محلا للظعن والحِلّ والترحال لقبائل صنهاجة، ويقدّرهم ابن خلدون (ت 808 هـ) بأنّهم ثلث سكّان البربر في المغرب[15]

   ويبدو أنّ بداية الاستقرار بها كان في أواسط القرن الخامس الهجري، وبالضبط عند نزول المرابطين الأوائل بها، فنزل بأحوازها الشيخ المصلح عبد الله بن ياسين (ت 449 هـ/1057 م) على مقربة من تُنْبُكْتُو[16]، فوفد عليه كثير من أشراف هذه المنطقة فبلغوا ألفا، وبدأبتغيير المنكر ومحاربة البدع والعادات الوثنية في تلك النّواحي، فحارب جدالة في نحو ثلاثة آلاف مقاتل سنة 434 هـ، ثم سار لقتال لمتونة حتى أذعنوا للطاعة ثم مسوفة حتى خضعت قبائل صنهاجة كلها، وبهم سار إلى الشمال في صحراء موريتانيا وسجلماسة وأغمات بالمغرب الأقصى[17]. وقد قدّر عدد قبائلهم بنحو سبعين قبيلة يعيشون حياة البدو والرعي في تخوم الصحراء[18].

   ونرى بأنّ انطلاق دعوة المرابطين من هذه المنطقة، وظهور دولتهم على سواعد لمتونة وغيرها من قبائل صنهاجة كان له الأثر الأكبر في تكوّن تجمّع سكّاني مستقرّ بالمنطقة، وعمدته قبائل مسوفة بعد أن انتقل إخوانهم اللمتونيون مع عبد الله بن ياسين إلى المغرب الأقصى ثم إلى الأندلس. ويزيد هذا الطرح جلاء أنّ المؤسّسين لمدين تنبكتو هم التوارق وهم مسوفة الصنهاجية، وهم أغلب سكانها[19].

   وهذا التجمّع السّاذج – على حدّتعبير ابن خلدون – تأسّس على مبادئ الدّين ذات المرجعية السُّنّيّة بعقيدة الأشعري والمذهب المالكي والمنهج الصّوفي، تأثرا بدعوة المرابطين؛ حيث لم تُعبد فيها الأوثان ولاسُجد فيها لغير الرّحمان على حدّتعبير صاحب “تاريخ السّودان”[20].

   ويذكر عبد الرحمان التنبكتي السّعدي (ت 1066 هـ/1656م) بأنّها نشأت على يد توارق إيمقشرن في القرن الخامس الهجريّ، فاختاروا موضع تنبكتو على ضفاف نهر النّيجر، ثمّ اجتمع إليهم من كلّ بلاد من مصر وفزّان وغدامس وتوات ودرعة وسوس وفاس[21].

   ويذكر بأنّ بناءها كان بسيطا في البداية، فكانوا يبنون بالأشواك والجرائد، ثمّ تحوّلوا إلى بناء أسوار قصار بحيث من وقف في خارجها يرى ما في داخلها، ثمّ بنوا المسجد الجامع بحسب ذلك، ثمّ مسجد سانكُري كذلك، وما ثبتت عمارته إلا في القرن التّاسع، وهي بداية العصر الذهبي لمدينة تُنبكتو، وما تكامل بناؤه إلا في أواسط القرن العاشر في عهد حاكمها أسكيا داود[22]

3-   عوامل نشأة مدينة تُنْبُكْتُو:

   اجتمعت مجموعة من العوامل التي أسّست لمدينة كبيرة في قلب صحراء التّكرور، أهمها عامل تجاري،                                                                                                                                         وسياسي، وديني. سنحاول توضيح كلّ عامل على حِدة:

أ‌-  العامل التّجاري:

   يُعتبر العامل التّجاري أهمّ عامل في نشوء مدينة تنبكتو في القرن الخامس الهجريّ، فهذه المنطقة كانت ملتقى القوافل المتجهة من مناجم الذّهب في غانا وغيرها مرورا بغاو إلى الشّمال الغربي باتّجاه سجلماسة ودرعة ومراكش وفاس وتلمسان، وباتّجاه الشّرق نحو توات وميزاب وورقلة وتونس طرابلس والقاهرة ثم بلاد الحجاز والشّام.

   وخصوصا بعد ظهور دولة المرابطين في القرن الخامس الهجريّ الذين نشطت بفضلهم التجارة في الجنوب، فهم يعرفون المنطقة جيدا؛ إذ منها خرجوا ومنها تكوّنت نواة دولتهم، فعملوا على تأمين السّبل، فتنوّعت السّلع وكثرت حركة القوافل، وخصوصا تجارة التّبر والذّهب القادم من غانة وضفاف نهر النّيجر والسّنيغال[23]

   ويضاف إلى ذلك تجارة الرّقيق والعبيد، وهي تمثل إحدى أهمّ المعاملات التجارية في بلاد السّودان، ممّا يحرّك همم تجار مختلف الأصقاع نحوها، وهي تجارة رائجة جدا منذ القديم، كما يقول الشريف الإدريسي (ت559هـ/ 1166 م) :” ويُباع منهم – أي الرّقيق – في كلّ سنة أمم وأعداد لا تُحصى”[24].

   فاستعملهم المرابطون في جيوشهم، وكانوا ممّن ساهموا في نصر معركة الزلاقة قرب طُلَيْطلة قرب الأندلس سنة 446 هـ[25]، وبالتّالي تمكّنوا من إطالة عُمر العصر الإسلامي بالأندلس لقرون أخرى، ولهذا أيضا نتفهّم رواج تجارة العبيد في المغرب الأقصى خُصوصا، وأنّ ذلك من آثار ونتائج سياسة دولة المرابطين منذ عهودهم الأولى.

       وشملت السّلع الآتية من الجنوب إضافة إلى ما ذُكر الشّبّ وجلود الحيوانات المفترسة وغيرها، فعمّ الثّراء هذه المنطقة وساعد المسوفيّين وغيرهم من قبائل صنهاجة على الاستقرار وترك حياة الظعن والتّرحال بحثا عن الماء والرزق وكلإ مواشيهم.

       وأمّا المواد المصدّرة نحو الجنوب فتمثّلت في الملح خصوصا، وكان يُعتبر المادّة الأولى للمقايضة والتّبادلات التّجاريّة عندهم، ويُدّخر منه الكثير باعتباره مادة استراتيجية للسّودانيّين، وفي وقت الحاجة قد يُقايض مع الذّهب بالمثل، وكان نقد منطقة غاو هو الملح[26]. ويصدّر إليهم كذلك النّحاس والزّجاج وخشب الصّنوبر وبعض المواد الغذائية كالقمح الذي يحتاجه أهل تُنبكتو وغيرها[27].

       وكانت مدينة تُنبكتو من أهمّ المدن التجارية بالغرب الإسلامي في منطقة الصحراء رفقة مدينة وُلاتة، وهذا في القرن الرابع عشر الميلادي ممّا أدّى بها إلى الاستقرار والثّراء ونشوء مناخ ثقافي وعلمي هامّ بها فهاجر إليها الكثير من العلماء.

ب‌- عامل سياسي:

يتمثّل العامل السّياسي في قيام دولة المرابطين انطلاقا من أحوازها، ولايخفى أنّ دولة المرابطين قامت على سواعد أشراف صنهاجة، فبعد إقامة المصلح عبد الله بن ياسين بين أظهرهم، وتأسيسه لرباط في الصّحراء، فالتفّ حوله جمع من سادات قبائل لمتونة ومسوفة وجدالة، وهذا الموضع الّذي انقطع فيه عبد الله بن ياسين وأصحابه كان فيما يُرجّح جزيرة تقع في منحنى نهر النّيجر على مقربة من تنبكتو[28]، وهذا الرّباط الجديد الّذي لم يألفه قومٌ دأبوا على الحِلّ والتّرحال جعلهم يتجمّعون بعدما كانوا متفرّقين، ويستقرّون بعدما ألفوا كثرة التنقل، وخاصّة بعد قيام عبد الله بن ياسين بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومحاربة البدع والوثنيين والظلمة، وهذا بطبيعة الحال أدّى إلى تكتل النّاس استعدادا للأخطار المحدقة بهم، فإمّا أن ينضمّوا إلى صفوفه، وإمّا أن يستعدّوا لمواجهته فيضطرّون بدورهم أيضا إلى التّكتّل، فحارب جدالة في نحو ثلاثة آلاف مقاتل سنة 434 هـ، ثم سار لقتال لمتونة حتى أذعنوا للطاعة ثم مسوفة حتى خضعت قبائل صنهاجة كلها، ثمّ صوّب المرابطون أعينهم إلى امبراطورية غانا فتوجّهوا إلى الشّرق نحو منحنى النّيجر سنة 447 هـ/ 1056م، وخاضوا معارك قاسية هناك خسروا فيها أحد أهمّ المؤسّسين لدعوتهم، ونشر تعاليم الإسلام على منهج المذهب المالكي، فتضاعف عددهم وزاد رصيد بيت المال بأموال الزكاة، وهو الأمر الّذي جعلهم يواصلون حملتهم، وبدأوا يزحفون جهة الشّمال ناحية سجلماسة وأحوازها[29]، فوصلوا سوس وأغمات، ولما ضاق بهم المكان اختطّوا مدينة مراكش سنة 462 هـ/ 1069 م، ووقع اختيارهم عليها لأنها مناسبة لما ألفوه في الصّحراء[30]، ولهذا نعتقد بأنّ مدينة تُنبكتو بُنيت في وقت بناء مدينة مرّاكش، لأنّهم ذكروا بأنّ جدالة ولمتونة بنوا مدينة مراكش، بينما بقي إخوانهم مسوفة بالتكرور وذكروا بأنهم بنوا مدينة تُنبكتُو في نفس المرحلة[31]، ولهذا فبناؤها مرتبط أساسا بقيام دولة المرابطين، والله أعلم.

ج-   العامل الدّيني:

   تقدّم بأنّ رباط ابن ياسين امتدّ تأثيره إلى كلّ بلاد التّكرور، وأنّ الصّنهاجيّين استبدلوا حياة الكدح والعنت والتّرحال بحياة البذخ والاستقرار، وأنه بقي فئام من الصّنهاجيّين بمواطنهم في بلاد التكرور بعما انتقل إخوانهم إلى بلاد المغرب الأقصى والأندلس، فبنى من بقي منهم من صنهاجة مسوفة ما يحتاج إليه المقيم من دور ومساجد، فشذّت عمّن جاورها من مدن السّودان التي عمرت بالديانات الوثنية، وكما يقول عبد الرّحمان السّعدي: “… ما دنّستها عبادة الأوثان، ولا سُجِد على أديمها قطّ لغير الرّحمان، مأوى العلماء والعابدين، ومألف الأولياء والزّاهدين”[32]. ولهذا نراهم اعتنوا بناء المساجد كونها دُور عبادة وتعليم وقضاء، وهدا هو الدّور الأساسي الّذي اطّلعت به مساجد تُنْبُكْتو.

–    بناء المساجد:

   لاشكّ بأنّ المساجد والكتاتيب كانت كثيرة بمدينة تنبكتو، وأشهرها مسجدان؛ الأول هو المسجد الجامع الذي يقع في وسطها بناه ملك مالي منسا موسى، وقد وصفه ليون الإفريقي عند زيارته لها، وقال: “في وسط المدينة مسجد مبنيّ بالحجر المركّب بالطّين والجير على يد مهندس أندلسي”[33]، ويبدو أنّه إلى غاية زمن الحسن الوزّان قد تعرّض إلى البناء عدّة مرّات، الأولى على يد المسوفييّن بالأخشاب وجرائد النّخل، ثمّ على يد الملك منسا موسى، ثمّ في زمن الوزّان أو قبله على يد هذا المهندس الأندلسي. ثمّ بُني بعد ذلك مسجد سانكُري[34] على أطراف المدينة، وقد اجتمع فيه الغرباء في بادئ الأمر، ثمّ علا شأنه حتّى صار مركزا ثقافيا إسلاميا حقيقيا لدراسة العلوم الإسلامية واللغوية والدّينية، ويعدّ أول جامعة بمنطقة الصحراء صار يضاهي كبار جامع العالم الإسلامي كالأزهر والقرويّين والزّيتونة، وتخرج منه علماء تنبكتو وفقهاؤها، واشتهرت فيه عائلة محمد آقيت التي توارثت العلم كابرا عن كابر، وكان منهم العلامة أحمد بابا التُّنْبُكْتي (ت 1036 هـ)، وقد نُقِل عن القاضي محمد الكابري أنّه قال: “أدركت من صالحي سنكُري من لا يقدّم عليهم في الصّلاح أحدٌ إلا أصحاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- ورضي عنهم أجمعين”[35].

   وقد بناه أيضا السّلطان منسا الحاج موسى صاحب مالي في وسط مقبرة، وهذا بعدما رجع من الحجّ وتملّك تنبكتو، وبعد ذلك تولّى القاضي العاقب بن محمود آقيت إعادة بنائه فوسّعه سنة 985 هـ[36].

4-    مرحلة الازدهار:

   يُعدّ عصر ملك مالي منسا موسى في القرن الثّامن الهجريّ (1312م-1337م) بداية عصر الازدهار الفكري والحضاري في ما يُعرف بالسّودان الغربي، وفي عهده أصبح الإسلام راسخ الأركان، وساعده على ذلك شُهرة هذا السّلطان في كل العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وخصوصا بعد قيامه سنة 724 هـ/ 1324 م برحلته الشّهيرة إلى مكّ لأداء فريضة الحجّ، وقد رافقه في هذه الرّحلة الآلاف من رعاياه، وقام بصرف أموال طائلة أدّت به إلى الإفلاس عند نزوله بمصر، فلجأ إلى الاقتراض من أحد تجّار الإسكندريّة يُدعى سراج الدّين الإسكندري، والذّي لحق به فيما بعد لاسترداد أمواله، وهذه الحادثة تدلّ على مدى الارتباط بين تجّار المشرق وتنبكتو، كما تبيّن مدى التّقوى وأخلاق الملوك والرّعيّة الّتي حسُنت أحوالها في هذه المرحلة[37]. وقد شملت مملكة مالي في عهد منسا موسى بلاد التّكرور والصّحراء الكبرى، ثمّ أخذت هذه الدّولة في الانحطاط في بداية القرن الخامس عشر الميلادي، وفقدت سيطرتها على التّكرور وتنبكتو[38].

 

–    مملكة سُنْغَاي[39]

يرى المؤرخون بأنّ مملكة سُنْغاَيْ أو امبراطوريّة سُنْغاي من أقوى الممالك الإسلامية التي قامت بالسّودان الغربي، وامتدّ نفوذها إلى جنوب الصّحراء ووصلت إلى كانو بنيجيريا زيادة إلى كلّ إقليم التّكرور، وتحوّلت في عهد ملكها سُنّي[40] علي في القرن التّاسع الهجري (1464 م -1492 م) إلى امبراطورية عظيمة[41]. وازدادت قوّتها وأهميتها بعد مجيئ الأسكيا الحاج محمد الذي انقلب على ابن الحاكم السّابق سُنّي علي، وقد بذل جهذا كبيرا في نشر الإسلام في المدن الوثنية جنوب الصّحراء، كما أمِنت في عهد السّبل، وعمرت المساجد، وعلا شأن العلماء وصارت لهم مكانة مرموقة في بلاط الحكم وفي تنظيم شؤون العامّة، وهذا الأمر هو الّذي أدّى إلى رغبة الناس في العلم وتنافسهم في التّحصيل، وفي عهده بلغت مدينة تُنْبُكْتو الغاية في العلم والحضارة، وفي عصر ابنه أسكيا داود بن الحاج محمد وصلت هذه المدينة إلى ذروتها في البناء والتّشييد[42]. وقد ظلّت مدينة تُنْبُكْتُو طيلة القرنين الخامس عشر والسّادس عشر مركزاً عظيماً لتلقّي العلوم الإسلامية في السّودان الغربي وعموم إفريقيا.

ولهذا تعدّدت الهجرات الكثيرة إليها طلبا للثّراء باعتبارها من أهمّ أسواق الذهب والعبيد، والتي تُدرّ أرباحا طائلة، تجعل التجار يتجشّمون الصّعاب والمشاق للوصول إليها، أو رغبة في العلم والتعلّم والدعوة إلى دين الإسلام، أو هجرة أهلها إلى غيرها من البلدان طمعا في علم أو فرارا من مكروه.

   ويبدو أنّها في بداية شأنها ذاع صيتها وهيب جانبها فراسلها السّلاطين والأمراء، وقد وجدنا بأنّ السّلطان محمد الوطاسي المعروف بالبرتغالي (ت 931 هـ) أرسل إلى الأسكيا الحاج محمد سلطان سُنْغَاي (ت 934 هـ/ 1528 م) وفدا هاما بهدايا، كان فيهم الحسن بن محمد الوزان الشّهير بليون الإفريقي؛ وكان غلاما ذا ستّ عشرة سنة[43].

أ‌-  هجرة علمائها إلى غيرها من البلدان:

   اختلفت دواعي هجرة علماء تُنبكتو وطلبتها إلى عواصم العالم الإسلامي، فقد تكون لطلب العلم وزيارة العلماء وغالبا للحج، وقد تكون أيضا طلبا للأمن أو فرارا من مكروه أو يؤخذون لإكراها لغيرها من المدن؛ كما حدث مع أحمد بابا التُّنْبُكْتي (ت 1036 هـ) مع خيار علماء أهله حين أُخذوا مصفّدين إلى مرّاكش في عهد السّلطان المنصور أحمد السّعدي (ت 1012 هـ) – وسيأتي مزيد حديث عن ذلك-.

–    الهجرة إلى الحجّ والمشرق:

   رحل إلى المشرق علما كثيرون من أهل تُنْبُكتو، فأفادوا واستفادوا، وتتبّع جميع هؤلاء ممّا لاتسمح به هذه الدّراسة، ولكن لا بأس بالتّمثيل:

–    فقد رحل الحاج أحمد بن عمر بن محمد آقيت التُّنْبُكْتي (ت 943 هـ) جدّ أحمد بابا صاحب “نيل الابتهاج” إلى المشرق للحجّ، فلقي الجلال السُّيوطي (ت 911 هـ) وخالد بن عبد الله الأزهري (ت 905 هـ) وغيرهما، فاستفاد منهم ورجع إلى بلده للإفادة والتّدريس[44].

–    ومنهم والد أحمد بابا الذي التقى باللقاني والأجهوري وعبد الرّحمان بن أحمد المغربي الطرابلسي الشّهير بالتاجوري (ت 960 هـ)، وابن حجر المكي والفاكهاني و زين بن أحمد بن يونس الجيزي (ت 997 هـ) وغيرهم، واستفاد منهم وأجازوه، ثمّ رجع إل بلده واستفاد منه أهل تُنبكتو، ومنهم ابنه أحمد بابا[45].

–    ومنهم الفقيه أحمد بَغْيُع بن محمود التّنبكتي (ت 978 هـ) وأخوه محمد بَغْيُع، رحلا إلى الحجّ، ولقيا النّاصر اللقاني والتّاجوري وغيرهما فاستفادا منهم، ولما رجعا إلى تنبكتو جلسا للتّدريس، واستفاد منهم طلبة تنبكتو، ومنهم أحمد بابا.

–    ومنهم المتصوّف أبو بكر بن أحمد بن عمر بن محمد آقيت التُّنْبُكْتِي عمّ أحمد بابا نزيل المدينة المنوّرة مع كافّة عياله، وسكنها إلى أن تُوُفّي بها سنة 991 هـ، وهو شيخ لأحمد بابا في العربية وغيرها[46].

–    وممّن رحل إلى المشرق زمن أبي القاسم النّويري في أواسط المائة التّاسعة الفقيه عبد العزيز التّكروري، وكان عالما بمختصر خليل استفاد منه أهل مصر، وقد نقل عنه الحطاب في شرح مختصر خليل[47].

–    ومنهم الفقيه محمد بن أحمد بن أبي محمد التّازختي (ت 936 هـ) الشّهير بأَيْدَ أحمد، أخذ عن الحاج أحمد بن عمر التّنبكتي ببلده، ثمّ انتقل إلى تكدة بالتكرور فلقي بها محمد بن عبد الكريم المغيلي وحضر دروسه، ثمّ شرّق صحبة الفقيه محمود بن عمر، فلقي القلقشندي والسّنباطي وجماعة، فأخذ عنهم علم الحديث وسمع وروى، ولقي اللقانيين الشمس والنّاصر أخاه، وأجازه من أهل مكّة أبو البركات النّويري وغيره، واجتهد حتى صار من محصّلي العلماء، ثمّ قفل إلى السّودان فنزل بلدة كشن، وأكرمه صاحبها وولاه قضاءها[48].

–    ومنهم قاضي تنبكتو الفقيه أبو المحاسن محمود بن عمر بن محمد آقيت المسوفي الصّنهاجي، عالم التّكرور، ولي القضاء عام 904 هـ، وكان أكثر إقرائه من المدوّنة والرّسالة والمختصر في الفقه المالكي؛ وله تقاييد عليه؛ وعنه انتشر إقراء مختصر خليل في ولاتة، وألفية ابن مالك في النّحو، حجّ عام 915 هـ فلقي السّادات كالقلقشندي واللقانيّين وغيرهم، ثمّ رجع إلى تنبكتو ولزم الإفادة إلى أن تُوُفِّي سنة 955 هـ[49].

–    والفقيه العاقب بن عبد الله الأنصمني المسوفي (ت 991 ه)، أخذ عن المغيلي عند دخوله لبلاد السّودان، ورحل إلى المشرق فأخذ عن الجلال السّيوطي، له أجوبة على الأسكيا الحاج محمد سمّاها: “أجوبة الفقير عن أسئلة الأمير”، وأجوبة أخرى للقاضي محمد بن محمود سمّاها: “الجواب المجدود عن أسئلة القاضي محمد بن محمود”، وهو من شيوخ أحمد بابا[50].

–    تنويه: يُعدّ ناصر الدّين محمد بن حسن اللقاني من أهمّ شيوخ علماء تُنبكتو، وقد دارت عليه الفتوى بمصر، واُستفتي في النّوازل من جميع الأقطار. وقد أخذ عنه الكثير من علماء تنبكتو، منهم أحمد بن أحمد التنبكتي والد أحمد بابا، والقاضي العاقب الأنصمني الّذي أجازه جميع ما يجوز له، والفقيه المجدّد محمد بَغْيُع أهمّ شيوخ لأحمد بابا، وأخوه أحمد بغيع وغيرهم كثير[51].     

–    الرّحلة إلى ولاتة من إقليم التّكرور:

فرّ الكثير من علماء تُنْبُكْتُو من مسجدها سانكُري إلى ولاتة بسبب الاضطرابات الّتي شهدتها في عهد ملك مالي سُنّي علي؛ بعد حملته على مدينة تُنْبُكْتو لإخضاعه لسلطته:

–     من أبرزهم محمد آقيت المسوفي جدّ الفقهاء والقضاة بتنبكتو، رحل في القرن الثّامن من تنبكتو إلى ولاتة منافرة لبعض أهلها وولاتها، ومخافة أن يتناسل بعض أبنائه معهم، ثمّ رجع إليها بعدما أسنّ، فارتحل مع عياله وسكنها[52].

–     منهم المختار بن أندغ محمد التُّنْبُكْتِي الشّهير بالنّحوي (ت 922 هـ)، وابن أخته الحاج أحمد، والفقيه محمود بن عمر بن محمد آقيت.

–     ثمّ تلتها رحلات أخرى منها رحلة محمد بن محمد التُّنْبُكْتي ثمّ الولاتي (ت 1050 هـ) الّذي كان بولاتة ثمّ هاجر إلى تنبكتو، وفي فتنة سُنّي علي رجع إلى ولاتة وبها تُوُفّي، ودخل إليها القاضي عمر بن محمّد آقيت الصّنهاجي التّنبكتي، ثمّ رجع ابنه الفقيه محمود بن عمر إلى تُنْبُكْتُو سنة 885 هـ[53].

–     وممّن هاجر إلى وُلاتة ببلاد التّكرور الفقيه المؤرّخ أبو العبّاس عبد الله بن أحمد بن سعيد الزّمّوري (ت بعد 888 هـ)، فأقرأ أهلها ولقي فقهاءها وأثنى عليهم في العلم ثمّ رجع إلى بلده[54].

–    الرّحلة إلى المغرب:

هاجر الكثير من علماء تُنْبُكْتُو إلى مدن المغرب لطلب العلم، كفاس ومُراكش وغيرها، منهم الفقيه مخلوف بن علي بن صالح البلبالي التّكروري (ت بعد 940 هـ)، أخذ بتنبكتو عن عبد الله بن عمر آقيت الرّسالة وغيرها، ثمّ سافر إلى الشّمال فأخذ عن محمد بن أحمد ابن غازي (ت 919 هـ) وغيره بفاس، ودخل بلاد السّودان وأقرأ أهلها وجرى له هناك نوازل وأبحاث مع الفقيه العاقب الأنصمني، ثمّ عاد إلى تُنْبُكْتُو بعدما طوّف البلاد وجلس للتّدريس، ثمّ تحرّكت همّته فعاد إلى مُرّاكش وأقرأ بها إلى أن سُمّ هناك فمرض ورجع إلى تُنبكتو فمات بها بعد 940 هـ[55].

–     وأجاز أبو العبّاس أحمد بن محمد المقري التّلمساني (ت 1040 هـ) بعض علماء التّكرور، منهم عثمان بن عمر التّكروري (ت 1128 هـ)، وله إجازات كتب الحديث ومختصر خليل وغيرها[56].

ب‌-      الرّحلة إليها من باقي الأقطار:

   وفد إلى تُنبكتو الكثير من علماء الأقطار، فجاءوها رغبة في نشر العلم، أو لما سمعوا من ثرائها ومكانة العلماء عند أهلها، أو دعوة من سلاطينها للاستفادة منهم، أو للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ كما حدث مع الشيخ محمد بم عبد الكريم المغيلي (ت 954 هـ).

 

 

–    الرّحلة من الحجاز إلى تُنبكتو:

وفد على تُنْبُكْتُو عبد الرحمان التّميمي الحجازي (ق 10 هـ) مع السّلطان سُنّي موسى حين رجع من الحجّ، فسكن تُنبكتو وأدركها حافلة بالفقهاء السّودانيّين، ولما أتاها وجدهم أكثر منهم علما وفقها، فرحل إلى فاس وتفقّه بها ثمّ رجع إلى تنبكتو فجلس للتدريس، وكان الفقيه الصّالح يحيى التّادلسي إذا جاءه الطّلبة أرسلهم إليه، وله بها عقب منهم حفيده القاضي حبيب[57].

–    الرّحلة من توات إليها:

رحل إليها الكثير من طلبة العلم بتوات إلى تنبكتو، فصار لهم بها صيت، وصاروا من أهمّ مكونات المجتمع التنبكتي، فمنهم العلماء والصّلحاء والأئمّة.

–     فرحل إليها عل سبيل المثال أحمد بن عمر الحماني التواتي (ت 1138 هـ)، له مكتبة عامرة خصوصا بكتب التصوّف، من المتصوّفة الّذين استوطنوا تنبكتو[58].

–     ومنهم أيضا أبو القاسم التواتي (ت 922 هـ وقيل سنة 935 هـ)، والّذي صار إمام المسجد الجامع وسط تُنبكتو، وكان مشهورا بإطعام الطّعام، وأكثر طعامه للمدّاحين، لشدّة محلته للنّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ولما دُفِن حُكِي بأنّه أول من دُفِن في المقبرة الجديدة، وقيل إنّ معه في تلك المقبرة خمسين رجلا من أهل توات[59].

–     ومن أهل سوف شرقي توات رحل إليها أحمد بن آك السّوفي اللغوي الفقيه النّحوي، أخد عن علامة تُنْبُكْتُو محمد بَغْيُع التّنبكتي[60]

–    الرّحلة من جنج إليها:

ورحل إليها من فضلاء جنج بإقليم التّكرور الفقيه صدّيق بن محمد تغل الجنجي ثمّ التنبكتي (ت 973 هـ)، رحل إليها بعدما درس عنده أحد الطّلبة في جنج، ثمّ انتقل إلى تُنْبُكْتُو للاستزادة، ولما رجع فاق شيخه صديق الجنجي في بعض المسائل، فقال الشّيخ: ضيّعنا عمرنا باطلا، وارتحل إلى تنبكتو وصادفها في أزهى أيّامها، فأخذ عن علمائها منهم الفقيه القاضي محمود بن عمر وغيره حتّى صار إماما بالجامع الكبير وسط تُنبكتو.

وعندما ذهب غلى الحجّ اجتمع بالفقها منهم محمد البكري الصّدّيقي، فجعل يسأله عن فقهاء تنبكتو[61]، وهذا يدلّ على شهرة علماء تنبكتو في المشرق خلال تلك الفترة.

–    الرّحلة من الأندلس إليها:

لقد كانت علاقة الأندلس ببلاد السّودان وثيقة منذ حكم الأُمويّين، وهذا قبل بناء مدينة تنبكتو، وقد انتقل إليها عدد من علماء الأندلس وأدبائها؛ منهم أبو إسحاق السّاحلي (ت 747 هـ)؛ وهو من بيت علم وثروة وصلاح، ذهب إلى الحجّ وفي طريق رجوعه دخل بلاد السّودان فاستوطنها، وأصبح له جاه عظيم عند سلطانها، فبنى المساجد الكثيرة بها[62].

رحل إليها الكثير من أعيان الأندلس بداية من القرن الثّامن الهجريّ، فقد قَدِم إلى التكرور اللغوي النحوي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الأنصاريّ الأندلسي (ت 724 هـ) في القرن الثامن الهجري، فأقرأ أهلها القرآن، ثمّ انتقل منها إلى القاهرة فأخذ عن جمال الدّين الإسنوي[63]، وهو والد سراج الدّين ابن الملقن (ت 804 هـ)[64].

–    الرّحلة من فاس إليها:

وممّن رحل إلى السّودان من أهل فاس العلامة أبو محمد سُقَّيْن؛ وهو عبد الرّحمان بن علي بن أحمد القصري الفاسي (ت 956 هـ)، أخذ العلم ببلده ثمّ شرّق فأخذ الحديث عن أصحاب ابن حجر كالقلقشندي وغيره، وفي رجوعه دخل إلى بلاد السّودان ووصل كانو، وعظّموه وأعطوه مالاً جزيلا، وبقي هناك مدّة ثمّ رجع إلى فاس سنة 924 هـ، وتولّى إمامة جامع الأندلس ثمّ عُزل، وبعدها أكبّ على رواية الحديث وإقرائه إلى أن تُوُفّي سنة 956 هـ[65].

–    رحلة محمد بن عبد الكريم المغيلي إلى تُنْبُكْتُو:

   لما انتقل المغيلي من تلمسان إلى توات واستوطنها صادف سيطرة اليهود على توات ومعظم طرق الصّحراء، فصاروا يتحكّمون في التّجارة، فتعاظمت ثروتهم واشتدّت شوكتهم فأعلنوا بدعهم، وبنوا البِيَع وأعلنوا شعائرهم، فقام عليهم المغيلي وحاربهم وهدّم بيعهم، ونازعه في ذلك الفقيه العصنوني قاضي توات، وراسلوا في ذلك علماء فاس وتلمسان وتونس، فكتب الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل التنسي رسالة يُصوّب فيها رأي المغيلي، ووافقه عليها الإمام محمد بن يوسف السّنوسي (ت 895 هـ)، وحين وصل جواب التّنسي ومعه كلام السنوسي لتوات أمر المغيلي أتباعه فلبسوا لأمة الحرب، وقصدوا بِيَعَ اليهود فهدّموها، وأمر بقتل من يعترض طريقهم، ونظم المغيلي قصائد في المديح النّبوي وذمّ اليهود ومن ناصرهم.

   ثمّ دخل بلاد السّودان واجتمع بأهلها وانتفعوا به، وشجّعهم على القيام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واتّباع أحكام الشّرع، ووصل كانو، ثمّ رجع إلى غاو واجتمع بصاحبها الأسكيا الحاج محمد، وتولّى فيها منصب مستشار في بلاط ملكها الّذي عيّنه ممثلا له، وألّف له تأليفاً أجابه فيه عن مسائل تتعلّق بالسّياسة الشّرعية وتنظيم الشّؤون العامّة[66].

   وبعدها اجتمع بالفقيه القاضي أبي المحاسن محمود بن عمر التنبكتي بتُنبكتو، وحينها بلغه مقتل ابنه على يد يهود توات، فانزعج وأمسك أهل توات الموجودين هناك، فأنكر عليه القاضي محمود بن عمر؛ إذ لم يفعلوا شيئا، فرجع عن ذلك وأمر بإطلاقهم، ثمّ رجع إلى توات فأدركته المنيّة بها، فتُوُفّي هناك سنة 954 هـ، وممّن استفاد منه من أهل توات أَيْدَ أحمد والعاقب الأنصمني ومحمد بن عبد الجبار الفيجي و محمد بن أحمد التّازختي غيرهم[67].

5-   مرحلة الانكسار أو نكبات تُنْبُكْتُو:

    كانت مدينة تُنبكتو تمثل مركزا تجاريا وثقافيا هامّا في منطقة السّاحل بداية القرن الثّامن الهجري إلى القرن الحادي عشر الهجري، وبلغت أوج ازدهارها في القرنين التاسع والعاشر الهجريّين، ولهذا كانت مستهدفة من الغزاة، بيد أنّ أكبر الهجمات الّتي تعرّضت لها في هذه المرحلة حملة سُنّي علي سلطان مالي في بداية القرن التّاسع الهجري، وحملة أحمد المنصور الذّهبي سلطان السّعديّين بالمغرب الأقصى في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر.

أ‌-  النّكبة الأولى (حملة سُنّي علي):

   وهي حملة سُنّي علي سلطان مالي على تُنْبُكْتو لضمّها لمملكته ومحاربة المناوئين له، ويسمّيه عبد الرحمان السّعدي التّنبكتي (ت) بالظّالم الأكبر والفاجر الأشهر، ويسمّيه بالخارجي[68]، ويسمّيه صاحب “فتح الشّكور” بالظالم الفاجر[69]، كان متسلّطا جبّارا سفّاكاً للدّماء، تسلّط على العلماء بالقتل والإهانة والإذلال، واشتهر في الآفاق بذلك، وقد استشهد السّعدي على شهرته بما نقله الحافظ محمد بن عبد الرّحمان العلقمي المصري (ت 969 هـ) تلميذ السّيوطي من شرحه على “الجامع الصّغير” للسيوطي قوله: “سمعنا أنّ رجلا ظهر بالتّكرور يقال له سنّي علي أهلك العباد والبلاد ودخل في السّلطنة سنة 869 هـ، وتُوُفّي في 925 هـ”[70]. ومكث في الحكم نحوا من ثمان وعشرين سنة فاشتغل والغزوات وفتح البلدان ووسّع مملكة مالي، وحارب صنهاجة في إقليم التكرور كله، وفي الرّابع من شهر رجب سنة 873 ه دخل مدينة تُنْبُكْتُو وأحدث فيها فسادا كبيرا، فحرّق دورها وخرّبها وقتل منها خلقاً كثيرا، ولما علِم أميرها بقدومه أحضر ألف جمل ورحّل فقهاء جامع سنكُري،ومشى بهم إلى وُلاتة، وقال إنّ شأنهم أهمّ عنده[71]. وهذا يدلّ على ثلاثة أشياء:

–    أنّ فقهاء سنكُري كانوا مستهدفين من هذه الحملة، وخصوصا أنهم معروفون بصلابتهم وشدّة إنكارهم على سلاطين زمانهم.

–    أنّ عدد هؤلاء الفقهاء كان كثيرا، وأنّهم كانوا يملكون ثروة كبيرة، احتاجوا إلى ألف جمل ليفرّوا مع ممتلكاتهم وكتبهم، كما يدلّ أيضا على الحركة العلمية المعتبرة آنذاك.

–    مكانة العلماء عند أمراء تنبكتو كانت عظيمة؛ فهم الثّروة الحقيقية الّتي كانت تملكها تنبكتو؛ فالحفاظ على حياتهم أهمّ من الحفاظ على مدينة تنبكتو ذاتها.

   وكان منهم الفقيه عمر بن محمد آقيت المسوفي الصّنهاجي وأولاده الثلاثة؛ أحمد وهو أكبرهم سنّا، وعبد الله، ومحمود وهو أصغرهم (خمس سنوات)، ومشى معهم خالهم الفقيه النّحوي المختار بن أندغ محمد، وأدركوا الإمام الزّمّوري بولاتة فاستفادوا منه وأجازه كتاب “الشّفا”. ولما كان لهم اشتغال بالعلم كانوا يمنعون أبناءهم من اللعب وركوب الخيل والجمال، فأعوزهم ذلك عند الفرار وندموا على حرمانهم من اللعب، وبعدما رجعوا إلى تنبكتو خلوا بينهم وبين اللّعب.

   واشتغل سنّي علي بقتل من بقي من الفقهاء بتنبكتو أو لم يسعفه الفرار، وعمد إلى إهانتهم وزعم أنهم أحباب التّوارق وخاصّتهم فأبغضهم لذلك، وكان من بين قتلاه الفقيه محمود بن أندغ محمد وأخوه أحمد، واتّخذ بناتهم جوار ثمذ قتلهنّ جميعا، وسجن والدة الفقيه محمود السيدة سِتَّ بنت أندغ محمد، أحد أهمّ وجهاء تنبكتو[72].

   وبعد رحيل الفقهاء قلّد سُنّي علي القضاء للقاضي حبيب بن عبد الرّحمان التّميمي، فأحسن إليه وأكرمه، ولم يزل يُهين فقهاء سنكُري وينكّل بهم إلى سنة 875 هـ خرج من بقي منهم إلى ولاتة أيضا، فلحق بهم عامله كُيْ[73] المختار محمد بن نض، ومات في ذلك خيارهم، وتتبّع من لم تسقفه النجاة قتلا وتشريدا، وتفرّقوا بين قُرى السّودان، وتعرّض التّوارق والفلانيون لبطش سلطان مالي؛ إذ هم أكبر المستهدفين من هذه الحملة على بلاد التكرور كلها[74].

   وبعد استقرار الأوشاع بتنبكتو لسلطان مالي رجع بعض الفقهاء من ولاتة، ففي شهر شعبان سنة 885 هـ خرج الفقيه محمود من ولاتة ورجع إلى تنبكتو، ورجع أيضا خاله المختار النحوي، وأمّ والده عمر بن محمد آقيت فقد توفّي في ولاتة وكذلك ابنه عبد الله[75]

   وبقي شرّه مستطيرا بين قُرى السّودان، فلم يهدأ له بال حتّى دوّخ إقليم التّكرور، وأحدث فيه النّهب والتّخريب والفساد، إلى أن تُوُفّي سنة 898 هـ بعدما حارب الزّغرانيّين والفلانيين وغيرهم من أمم التكرور، فخلفه ابنه أبو بكر ووقع الخلاف بينه وبين محمد بن أبي بكر الطوري أحد قيادات سُنّي علي، وبعد معارك كثيرة بينهما تغلّب الطّوري على سني أبو بكر وتملّك ما تركه سنّي علي، وتلقّب بالأسكيا محمد، وفرّج الله به عن المسلمين الكروب، وأزال به عنهم البلاء والخطوب، واجتهد بإقامة ملّة الإسلام، وإصلاح أمور الأنام، وصاحب العلماء، واستفتاهم فيما يلزم من أمور الحلّ والعقد[76].

       وفي صفر سنة 902 هـ مشى الأسكيا الحاج محمد إلى الحجّ، فحجّ البيت مع جماعة من أعين كلّ قبيلة، فتصدّق بمال كثير في الحرمين، واشترى حديقة بالمدينة المنوّرة وحبّسها على أهل التكرور، ولقي الكثير من العلماء والفقهاء منهم الجلال السيوطي، واستفتاهم وتبرّك بهم، وقفل راجعا إلى غاو، فأعلن الجهاد على الوثنيّين في السّودان ودوّخ البلاد، وفي عهده أمنت السّبل واسترجعت تُنبكتو دورها العلمي والحضاري[77].

       وخلفه أبناؤه في الحكم وصارت بينهم صراعات ومطاحنات، لم تنته إلا بحملة أحمد المنصور السّعدي على بلاد التكرور.

 

ب‌-      النّكبة الثّانية (حملة المنصور السّعدي): 

   بلاد السّودان كانت مرتبطة في أذهان أهل العصر الوسيط بتجارة الذّهب والرّقيق، وكانت المعلومات وأخبار السّودان تنتقل عن طريق التّجّار[78]، وكانت أخبارها تُغْري السّلاطين طمعا في خيراتها وثرواتها، وخاصّة بعد رحلة الأسكيا الحاج محمد إلى الحجّ سنة 902 هـ، والّذي وزّع ذهبا كثيرا في رحلته تلك، ولما آنس السّلطان المنصور السّعدي في نفسه القوّة واستتبّ له أمر المغرب الأقصى، وخصوصا بعد انتصار دولتهم على البرتغاليين والمناوئين في معركة الملوك الثّلاثة سنة 986 هـ، لا زالت نفسه تحدّثه بالغزو وتوسيع مملكته، فامتدّت عينه إلى جهة الجنوب، لأنّها طريدة سهلة بالإضافة إلى ما ذُكر عن ثرواتها وكثرة العبيد والجواري بها، فلا زال المنصور يتحيّن الفرص، إلى أن كانت سنة 999 هـ فجهّز جيشا من المرتزقة وجعل عليهم القائد الأندلسي جودار باشا.

   والسّبب المباشر لهذه الحملة هو أنّ السلطان السّعدي أرسل إلى الأسكيا إسحاق ليسلّمه خراج الذّهب بمنطقة تغاز، فلم يوافق الأسكيا على ذلك بل قبّح له الكلام في الجواب، فلمّا وصله الجواب عزم على غزو السّودان بعدما كان متردّدا، وفي فاتح سنة 999 هـ أرسل إليهم جيشا كبيرا مسلّحا بأسلحة نارية، ومعهم الأطباء والصّنّاع والكثير من المرتزقة الأندلسيّين والبرتغاليّين والأتراك، ولما دخلوا تنبكتو وجدوها أكثر عمارة وأمنا وعافية ورخاء[79]. وأثناء هذا الغزو اضطربت الأوضاع وشاعت الفوضى، وصار النّاس يأكل بعضهم بعضا في جميع الأمكنة طولا وعرضا، بالإغارة والحرابة عل الأموال والنّفوس والرّقاب، فعمّ ذلك الفساد وانتشر، وبالغ واشتهر[80].

   وقد توجّه الباشا جودار  إلى غاو لمحاربة جيش الأسكيا إسحاق سلطان السُّنْغَاي على ضفاف نهر النّيجر، وكانت معركة تونديبي يوم الأربعاء السّادس عشر من شهر جمادى الأولى سنة 999 هـ، والموافق للثاني عشر من شهر مارس سنة 1591 م شمال مدينة غاو، وقد كان جيش السّعديّين مكوّنا من حالي ثلاثة آلاف مقاتل يحملون أسلحة نارية والبارود، بينما كان جيش الأسكيا كبيرا لكنّه يقاتل بأسلحة بدائية من الحِراب والسّهام والسّيوف، فكان النّصر حليف السّعديّين ودخلوا مدينة غاو، وفرّ الأسكيا جنوبا إلى الغابات، وكان يناوشهم من هناك.

       ولما بلغ السلّطان السّعدي خبر النّصر فرح فرحا عظيما، فأخرج الصّدقات وأعتق الرّقاب وأقام مهرجاناً عظيما، ونظم الشّعراء قصائدهم ورفعوا أمداحهم، وأجازهم بما تحدّث النّاس عنه زمانا طويلا، وأرسل الغُزاة إلى المنصور بهديّة فيها عشرة آلاف مثقال ذهبا ومائتان من خيار الرّقيق وغير ذلك، ثمّ أردفوا له بهدايا أخرى فيها أحمال من الذّخائر، فيها أربعون حملا من التّبر، وأربعة سروج ذهبا خالصا، وألف ومائتان من متخيّر الرّقيق وغيرها، ولما وصلته هذه الهدايا سُرّ سرورا عظيما، ولأجل ذلك لُقِّب بالذّهبي، لأنّهم لم يشهدوا الذّهب الّذي شهدوه أيّام ولايته[81].  

   ولم يكن أهل تنبكتو ينظرون إلى الغزاة بعين الرّضا والقبول، فثاروا عليهم عدّة مرّات، وكان بسبب ذلك خراب تنبكتو، ففي سنة 1000 هـ جرى قتال بين أهل تنبكتو والقائد مصطفى التركي عامل السّعديين، فأدّى إلى هلاك النّاس واحتراق الدّور، وتكرّر ذلك في عدّة مناسبات كما حدث سنة 1005هـ، ولم يستتبّ الأمر للسّعديّين في التكرور لكثرة الثّورات عليهم من التوارق وقبائل صنهاجة والسّودانيّين، ثمّ توالى ولاة السّعديين على بلاد السّودان وأكرهوا النّاس على بيعتهم، فهدّدوهم وفتّشوا دورهم، وحشدوا النّاس في جامع سنكري للمبايعة، ووزّعوهم بحسب قبائلهم في جامع سنكري لذلك في أيّام معلومات، فحلف التواتيون والفزانيون والوجليون في اليوم الأوّل الموافق للثّاني والعشرين من شهر محرّم سنة 1002 هـ، ثمّ حلف الولاتيون والوادانيون ومن والاهم في اليوم الثّاني الموافق للثّالث والعشرين، وأمّا الفريق الثّالث فهم العلماء والفقهاء، فأحضروهم في اليوم الثّالث وأسروهم جميعا؛ فريق أُسر في تنبكتو وكان بينهم فيما يظهر العلامة محمد بَغْيع، وفريق آخر أُخرج من البلد وأُخذ إلى مرّاكش بطلب من السّلطان السّعدي، وقد قُتل منهم الكثير كالفقيه أحمد مُعْيا، ومحمد الأمين بن محمد بن محمود، ومحمد المختار بن مُعْيا وغيرهم[82].

   ثمّ دخل الباشا محمود ديارهم ورفع جميع ما فيها من الأموال والمتاع والأثاث، ونهب أتباعه ما اتّصل بهم، وكشفوا عوراتهم وجرّدوا حرائرهم وفعلوا بهنّ الفواحش، ثمّ جمعوا كبار فقهاء تُنْبُكْتو وأخذوهم مصفّدين بالأغلال إلى مُرّاكش، منهم أحمد بابا والفقيه والقاضي أبو حفص عمر بن محمود، دخلوها أوّل شهر رمضان، وعندما رأى القاضي عمر بن محمود مدينة مُرّاكش دعا عليهم، وقال: “اللّهمّ كما شوّشونا وأخرجونا من بلادنا فشوّشْهم وأخرجْهم من بلادهم”[83].

 

 

–    محنة آل أقيت:

   نستطيع اعتبار أسرة آل آقيت المسوفية الصنهاجية نواة الحياة الاجتماعية والسّياسيّة والدّينية لمدينة تُنْبُكْتو، فأجدادهم مسوفة هم من بنوا هذه المدينة، وقد توارثوا العلم أزيد من قرنين، وكانوا أهل اليسار والسّؤدد لا يبالون بالسّلطان فمن دونه، بل لا يقطع أمرا دون مشورتهم لإهم أهل القضاء والإمامة والفتيا ببلاد السّودان، ولما دخلها الباشا محمود أبقاهم على حالهم إلى أن كانت سنة 1002 هـ، سئمت العامّة من الغرباء وحاربوهم، فكتب المنصور إلى عامله محمود بالقبض على الفقهاء وأهل الرّأي فيهم، وقضى بتغريبهم إلى مُرّاكش، فألقى القبض على جماعة كبيرة منهم كان فيهم أحمد بابا[84]، وحُمِلوا مصفّدين إلى مُرّاكش ومعهم حريمهم، وانتهبت ذخائرهم وكتبهم، وكان أحمد بابا أقلّ عشيرته كتبا نُهِب منه ألفٌ وستّمائة مجلّد[85].

   وأودعهم المنصور السّجن ولم يطلق سراحهم إلا في الحادي والعشرين من رمضان سنة 1004 هـ بشرط بقائهم في مُرّاكش، وجرت بين أحمد بابا والمنصور الذّهبي معاتبة ومناظرة، قال النّاصري: “… ولما دخل الفقيه أبو العبّاس على المنصور بعد تسريحه من السّجن وجده يكلّم النّاس من وراء حجاب على طريقة خلفاء بني العبّاس ومن تشبّه بهم، فقال الشّيخ: إنّ الله تعالى يقول: “وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب”، وأنت قد تشبّهت بربّ الأرباب، فإن كانت لك حاجة في الكلام فانزل إلينا وارفع عنّا الحجاب، فنزل المنصور ورُفعت الأستار. فقال له الشّيخ: أيّ حاجة لك في نهب متاعي وتضييع كتبي وتصفيدي من تنبكتو إلى هنا، حتّى سقطت عن ظهر الجمل واندقّت ساقي؟ فقال له المنصور: أردنا أن تجتمع الكلمة، وأنتم في بلادكم من أعيانها، فإن أذعنتم أذعن غيركم. فقال الشّيخ أبو العبّاس: فهلا جمعت الكلمة بتُرْك تلمسان فإنّهم أقرب إليك منّا؟ فقال المنصور: قال النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “اتركوا التّرك ما تركوكم”، فامتثلنا الحديث. فقال أبو العبّاس: ذاك زمانٌ وبعُد، قال ابن عبّاس: “لا تتركوا التُّرْك وإن تركوكم” فسكت المنصور وانفضّ المجلس”[86]. ولما سُرّح أبو العباس تصدّر لنشر العلم وهرع إليه النّاس للأخذ عنه، وقد كان أبو العبّاس يتشوّق إلى بلده ويسكب العبرات عند ذكرها، ولما مات المنصور سنة 1012 هـ وخلفه ابنه زيدان سمح لأهل تُنبكتو بالرّجوع إلى وطنهم، ولما خرج أحمد بابا من مراكش قاصدا بلده شيّعه عيون طلبتها، فأخذ بعضهم بيده عند الوداع، وقرأ قوله تعالى: “إنّ الّذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد” على ما جرت به العادة من قراءتها عند وداع المسافر فيرجع سالما، فانتزع الشّيخ يده بسرعة، وقال: لا ردّني الله إلى هذا المعاد، ولا رجعني إلى هذه البلاد، ثمّ لحق بتنبكتو فاستقرّ بها إلى أن تُوُفّي سنة 1036 هـ[87]

نتائج البحث:

–     ساهمت عدّة عوامل في تأسيس مدينة تُنْبُكْتُو، أبرزها العامل التّجاري حيث كانت معبرا للقوافل التّجاريّة، وموضعا هامّا للظّعن والرّعي بالنّسبة لقبائل صنهاجة، كما كان للظّروف السّياسية في القرن الخامس الهجري دور في نشوء تجمّع ديني بهذه المنطقة، ونقصد بالتّحديد دعوة المرابطين الّتي تبلورت وانطلقت من بلاد التّكرور اعتمادا على سواعد قبائل صنهاجة.

–     شكّلت قبيلة مسوفة الصّنهاجية النّواة الأولى لهذا التّجمّع السكاني، وهم توارق إمقشرن، فيما كان لأبناء عمومتهم من لمتونة وجدالة عصبُ تكوين دولة المرابطين في مُرّاكش، ولهذا يُرجّح أنّ بناء مدينة تُنبكتو كان بالموازاة مع بناء مدينة مرّاكش، وكان لهذا اللّفيف أيضاً صدى بعيد المدى من بلاد السّودان الغربي إلى طليطلة بالأندلس، شكّلت عصبيّة واحدة، كان من نتائجها بقاء المسلمين الأندلس لأربعة قرون أخرى بعد أن وصل الوهن إلى دويلاتها، وكان ذلك بالطّبع إثر معركة الزّلاقة سنة 479 هـ/ 1086 م.

–     شكّل التنوّع الإيثني بتُنبكتو حركيّة هامّة لتكوين مناخ فكري وثقافي هامّ ظهر مع حلول القرن الثّامن الهجريّ، واكتملت أجزاؤه في القرنين التّاسع والعاشر الهجري، تمثّل في توارق صنهاجة وقبائل السّودان، وعرب الأزواد وبعض البيوتات من النّسب الشّريف والعترة الطّاهرة، بالإضافة إلى المهاجرين من مصر والحجاز والأندلس من الفقهاء والعلماء والتّجّار.  

–     بدأ الدّور العلمي والثقافي والدّيني لتنبكتو يبرز مع حلول القرن الثّامن الهجري، خصوصا مع بداية قدوم العلماء والأدباء إليها، كأبي الحسن الأندلسي النّحوي (ت 724 هـ)، والأديب أبي إسحاق السّاحلي (ت 747 هـ)، وأيضا رحلة طلبتها إلى الحجّ والمشرق والمغرب.

–     وصلت مدينة تُنْبكْتو إلى دورها الرّيادي في القرنين التّاسع والعاشر الهجريّين، وقد مثّلت مركزا علميا وتجاريا رائدا في منطقة التكرور، وهذا الدّور نافسها فيه مدينة ولاتة لكنها لم تبلغ مبلغها، كما مثّلت مدينة تنبكتو نقطة انطلاق ومركز إشعاع لنشر الإسلام في أعماق إفريقيا، ممّا جعلها تقع تحت أطماع الغزاة.

–     إنّ غالب مرجعيتهم العلميّة والدّينيّة كانت رواق المغاربة بمصر، وأنّ اللّقانيّين والسّيوطي والتّاجوري والقلقشندي كانوا أهمّ أسانيد علماء تنبكتو ومنطقة السّاحل الإفريقي، ثمّ صار لهم في القرن العاشر شبه استقلالية فكرية إن صحّ التعبير، وقد اهتموا بالتّأليف ونسخ المخطوطات وشرائها التي ضاع الكثير منها بسبب الغزو السّعدي ثم الفرنسي.

–     كان مسجدها سنكُري يمثّل جامعة حقيقيّة للدّراسات  العليا آنذاك، تخرّج منها كبار الفقهاء والعلماء، مثل العلامة محمد بَغْيُع (ت 1004 هـ) الّذي لقبه تلميذه أحمد بابا بمجدّد  العصر، بقوله: [الرّجز]

وعاشر القرون فيه قد أتى     محمّدٌ إمامنا وهو الفتى[88].

–     تعرّضت تنبكتو لنكبات عديدة؛ إذ كانت مستهدفة بسبب ثرائها وبسبب علمائها، كانت أهمّها نكبتان اثنتان؛ فتنة سلطان مالي سُنّي علي في نهاية القرن التّاسع الهجري الّذي تسلّط على علماء سنكُري تقتيلا وتشريدا، وحملة السّعديّين  عليها سنة 999 هـ.

–    تعتبر حملة السّعديّين على تنبكتو محطة بارزة في تاريخها، والتي قضت على الحركة العلمية بها، وفتحت المجال واسعا للفوضى وعودة الوثنية إلى عموم السّودان، وهذه الحملة لم تضعف تنبكتو فحسب، بل أضعفت المغرب كلّه ممّا فتح المجال واسعا للأطماع الأوروبية بالمنطقة، وخصوصا إسبانيا وفرنسا. 
 

–    قائمة المراجع:

–      أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حركة عثمان بن فودي الإصلاحية في غرب إفريقيا، مصطفى مسعد، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط2 – 1411 هــ.

–     أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، أبو العباس شهاب الدّين أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحـ: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد العظيم شلبي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1939.

–     الاستقصا لأخباردول المغرب الأقصى، أبو العباس أحمد بن خالد الناصري الدرعي السّلاوي (ت 1315هـ)، تحـ: جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، د.ت.

–     إنباء الغمر بأبناء العمر، أبو الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحـ: حسن حبشي، لجنة إحياء التّراث الإسلامي، مصر، 1969.

–     انبعاث الإسلام في الأندلس، علي بن محمد الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2005 .

–     الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، أبو الحسن علي بن عبد الله ابن أبي زرع الفاسي، تحـ: كارل نونبرغ، مطبعة أوبسالة، 1843.

–     البيان المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والأندلس والمغرب، ابن عذارى المراكشي، تحـ: إحسان عباس، دار الثقافة ، بيروت، ط3،1983.

–     تاج العروس من جواهر القاموس، أبو الفيض محمد بن محمد الحسيني المعروف بمرتضى الزَّبيدي، دار الهداية- بيروت، د.ت.

–     تاريخ السّودان، عبد الرحمن بن عبد الله السعدي، تحـ: أوكتاف هوداس، مكتبة أمريكا والشرق، باريس، 1981.

–     تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطّنجي اللّواتي الشّهير بابن بطوطة (ت 779 هـ)، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1417 هـ.

–     حملة تنصير الطّوارق، مجلة البيان، السنة الخامسة، ربيع الآخر 1411هـ، العدد 33.

–     خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل الله بن محبّ الدّين المحبّي (ت 1111 ه)، دار صادر، بيروت، د.ت.

–     دولة الإسلام في الأندلس، محمد عبد الله عنّان، مكتبة الخانجي ، القاهرة، ط 4 ، 1997.

–     ديوان المبتدإ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشّأن الأكبر، أبو زيد عبد الرّحمن بن محمد ابن خلدون، تحـ: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، ط2، 1988.

–     الرّوض المعطار في خبر الأقطار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحميري (ت 900 هـ)، تحـ: إحسان عبّاس، مؤسّسة ناصر للثّقافة، بيروت، ط2- 1980.

–     فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، محمد بن أبي بكر الصديق الولاتي، تحـ: محمد إبراهيم الكتّاني ومحمد حجي،  دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1981.

–     الفكر السّامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي، دار الكتب العلمية ، بيروت، ط 1 ، 1416 هـ.

–     قصّة الحضارة، وليام جيمس، ترجمة زكي نجيب محمود وآخرون، دار الجيل ،بيروت، 1988.

–     قيام دولة المرابطين، حسن أحمد محمود، مكتبة النهضة المصرية، ط1 ، 1957.

–     معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرّومي الحموي (ت 626 هـ)، دار صادر، بيروت، ط2، 1995.

–     المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، أبو عبيد البكري، دار الكتاب الإسلامي ، القاهرة، د.ت.

–     الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري، مؤسّسة سجل العرب، ط1، 1405 هـ.

–     نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الشّريف الإدريسي، عالم الكتب ، بيروت، ط 1 ، 1409هـ.

–     نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدّين ابن الخطيب، أبو عبد الله أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحـ: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط1، 1968.

–     نيل الابتهاج بتطريز الدّيباج، أحمد بابا التّنبكتي، منشورات كلية الدّعوة الإسلامية، طرابلس، ط1،1989.

–     وصف إفريقيا، الحسن بن محمد الوزان الشّهير بليون الإفريقي، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2، 1983.



[1] – انظر: حملة تنصير الطّوارق، مجلة البيان، السنة الخامسة، ربيع الآخر 1411هـ، العدد 33 ،ص 64.

[2] – انظر: رحلة ابن بطّوطة، ج 2 ،ص 538.

[3] – انظر: أزهار الرياض 3/57، وخلاصة الأثر 4/448، وتاج العروس 4/471 مادّة “تيت”، وفهرس الفهارس 1/114.

[4] – انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري، مؤسّسة سجل العرب، ط1- 1405 هـ، ج 1 ص 397، والفكر السّامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط 1 – 1416 هـ، ج 2 ،ص 326.

[5] – انظر: قصّة الحضارة، وليام جيمس، ترجمة زكي نجيب محمود وآخرون، دار الجيل – بيروت، 1988، ج 23، ص 52.

[6] – انظر: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، محمد بن أبي بكر الصديق الولاتي، ص 26.

[7] – انظر: وصف إفريقيا، الحسن بن محمد الوزان، ج 2 ،ص 148.

[8] – انظر: نفسه، ج 2 ص 148.

[9] – الظاهر أن كلمة زناقة تحريف لنطق كلمة صنهاجة.

[10] – انظر: فتح الشكور، ص 26.

[11] – انظر : وصف إفريقيا، الحسن بن محمد الوزان، ج 1 ص 77.

[12] – انظر: أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حركة عثمان بن فودي الإصلاحية في غرب إفريقيا، مصطفى مسعد، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 2 – 1411 هـ، ص 429.

[13] – انظر: الموسوعة القرآنية، ج 11 ص 397.

[14] – انظر: وصف إفريقيا، الحسن الوزّان، ج 2 ص 168.

[15] – انظر: تاريخ ابن خلدون، ج 6 ص 176.

[16] – انظر: دولة الإسلام في الأندلس، محمد عبد الله عنّان، مكتبة الخانجي – القاهرة، ط 4 – 1997، ج 2 ص 302، والأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، أبو الحسن علي بن عبد الله ابن أبي زرع الفاسي، تحـ: كارل نونبرغ، مطبعة أوبسالة، 1843، ص 26.

[17] – انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ج 2 ص 303.

[18]– انظر: تاريخ السّودان، عبد الرحمن بن عبد الله السعدي، تحـ: أوكتاف هوداس، مكتبة أمريكا والشرق، باريس، 1981، ص 20.

[19] – انظر: رحلة ابن بطوطة، ج 4 ص 269.

[20] – انظر: نفسه، ص 21.

[21] – انظر: نفسه، ص 21.

[22] – انظر: نفسه، ص 21- 22.

[23] – انظر: الروض المعطار، الحميري، ص 426.

[24] – نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الشّريف الإدريسي، عالم الكتب ، بيروت، ط 1 – 1409هـ، ج 1 ص 110.

[25] – انظر: نفح الطّيب، ج 4 ،ص 367.

[26] – انظر: نزهة المشتاق، ج 1 ص 171، ورحلة ابن بطوطة، ج 2 ،ص 269.

[27] – انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، ج 2 ص 14، والاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الناصري، ج 2 ،ص 3.

[28] – انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ج 2 ،ص 302.

[29] – انظر: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، أبو عبيد البكري، دار الكتاب الإسلامي ،  القاهرة، د.ت، ص168 وما بعدها، وقيام دولة المرابطين، حسن أحمد محمود، مكتبة النهضة المصرية، ط1 ، 1957، ص 149 وما بعدها.

[30] – انظر: البيان المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والأندلس والمغرب، ابن عذارى المراكشي، تحـ: إحسان عباس، دار الثقافة ، بيروت، ط3،1983، ج 4 ،ص 19- 20.

[31] – انظر: تاريخ السودان، ص 20.

[32] – انظر: نفسه، ص 21.

[33] – وصف إفريقيا، الحسن الوزان، ج 2 ،ص 165.

[34] – يكتب أحيانا: سنكري، وأحيانا: سانكوري، وأحيانا: سانكري.

[35]– انظر: تاريخ السّودان، ص 27.

[36] – انظر: نفسه، ص 57، وص 110.

[37] – انظر : نفسه، ص 20.

[38] – انظر: نفسه، ص 21.

[39] – تُكتب: سنغي، وسونغاي، وسنغاي، وبالصاد فيهم أيضا.

– تكتب هذه الكلمة: سن، وصن، وصوني وسوني أيضا. [40]

[41] – انظر: تاريخ السّودان، ص 21.

[42] – انظر: نفسه، ص 22.

[43]– انظر: وصف إفريقيا، الحسن الوزّان، ج 1 ص 171- 172.

[44] – انظر: فتح الشكور، ص 27.

[45]– انظر: نيل الابتهاج، ص 182.

[46] – انظر: نفسه، ص 151، وتاريخ السّودان، ص 32.

[47]– انظر: نفسه، ص 275.

[48]– انظر: نفسه، ص 587، وتاريخ السّودان، ص 39- 40.

[49]– انظر: نفسه، ص 607، 608، وتاريخ السّودان، ص 38- 39.

[50]– انظر: تاريخ السّودان، ص 41.

[51]– انظر: نيل الابتهاج، ص 591.

[52]– انظر: تاريخ السّودان، ص 36.

[53] – انظر: فتح الشّكور، ص 177.

[54] – انظر: نيل الابتهاج، ص 234- 275.

[55]– انظر: نيل الابتهاج، ص 608، وفتح الشّكور، ص 146.

[56]– انظر: نفسه، ص 191- 195.

[57]– انظر: نفسه، ص 176، وتاريخ السّودان، ص 51.

[58]– انظر: نفسه، ص 42- 43.

[59] – انظر: نفسه، ص 70.

[60]– انظر: نفسه، ص 50.

[61]– انظر: نفسه، ص 154- 155.

[62]– انظر: انبعاث الإسلام في الأندلس، علي بن محمد عنّان، ص 404.

[63]– انظر: نفسه، ص 196، 197.

[64] – انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ابن حجر، ج 2 ،ص 216.

[65]– انظر: نيل الابتهاج، ص 264- 265.

[66]– انظر: تاريخ السّودان، ص 22.

[67]– انظر: نيل الابتهاج، ص 577- 578.

[68]– انظر: تاريخ السّودان، ص 65.

[69]– انظر: فتح الشكور، ص 177.

[70]– انظر: تاريخ السّودان، ص 65.

[71]– انظر: نفسه، ص 66.

[72]– انظر: نفسه، ص 66.

[73]– معناه الوالي أو النائب.

[74]– انظر: نفسه، ص 67.

[75]– انظر: فتح الشّكور، ص 177، وتاريخ السّودان، ص 69.

[76]– انظر: تاريخ السّودان، ص 70 وما بعدها.

[77]– انظر: نفسه، ص 72، 73.

[78]– انظر: وصف إفريقيا، الحسن الوزان، ج 1 ص 33- 34.

[79]– انظر: تاريخ السّودان، ص 142.

[80]– انظر: نفسه، ص 143.

[81] – انظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 5 ص 121 وما بعدها.

[82] – انظر: تاريخ السّودان، ص 169.

[83] – انظر: نفسه، ص 173.

[84] – انظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 5 ص 129.

[85] – انظر: الفكر السّامي، ج 2 ص 326.

[86] – الاستقصا، ج 5 ص 130.

[87] – انظر: نفسه، ج 5 ص 129، 130.

[88] – انظر: أزهار الرّياض، المقري، ج 3 ص 57.

كلمات دليلية
رابط مختصر